بقلم : عمرو الشوبكي
لم يغب المتغير الثقافى ولا الصراع الدينى والمذهبى فى معظم الصراعات التى جرت فى القرون الوسطى وحتى الحرب العالمية الأولى، ولكنه توارى بفعل الصراع الدامى الذى قسم أوروبا الغربية صاحبة الإرث الثقافى والحضارى الواحد.
ورغم أن تجربة الاتحاد الأوربى فى الوحدة تقول إن البعد الثقافى كان حاضرا أثناء مسار وحدتها الذى انطلق مع تأسيس الجماعة الأوربية للفحم عام ١٩٥١ حتى وصلت إلى الاتحاد الأوربى.
صحيح لا يمكن أن نقول إن أوروبا اتحدت فقط بفعل المتغير الثقافى ووجود منظومة قيم حضارية غربية إنما أيضا وربما أساسا نتيجة امتلاكها مشروعا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا صنع وحدتها عبر رحلة طويلة اتسمت بالتدرج والإنجاز الذى ينتقل من مرحلة إلى أخرى، وأن مسارها نحو الوحدة لم ينظر إلى قضية الهوية الثقافية باعتبارها واقعا ساكنا لا يتغير ولا يتأثر بالظروف الاجتماعية والسياسية.
صحيح أن هناك تجارب للوحدة السياسية والاقتصادية لم تطلب أن تكون الدول الأعضاء فيها متجانسة ثقافيا مثل تجربة التكتل الصاعد: «البريكس» (BRICS)، وهناك رابطة دول جنوب شرق آسيا (الأسيان Asian) الذى يضم عشر دول آسيوية بينها مشتركات ثقافية حتى لو اختلفت فى اللغة والخبرات السياسية، ولكن البعد الثقافى كان عاملا مساعدا فى بناء هذا التكتل ولكن على خلاف تجربة الاتحاد الأوروبى لم تقل إنها صاحبة رسالة ثقافية وحضارية للعالم، إنما اكتفت بأن تؤسس شراكات اقتصادية عابرة للقارات مع مجلس التعاون الخليجى ومع مجموعة دول أمريكا اللاتينية وغيرهما.
أما فى العالم العربى فيمكن القول أيضا إن هناك جوهرا حضاريا وتاريخيا أصيلا يتمثل فى قيم ومبادئ ولغة وثقافة لا تصنع فى حد ذاتها وحدة، فلا بد من أن «يُكسى» بمشروع سياسى واقتصادى وثقافى معاصر يصنع هذه الوحدة، وهذا ما جرى فى أوروبا فقد كانت هناك قيم الحداثة والتنوير التى جاءت على أنقاض قيم العصور الوسطى ولكنها عرفت مسارات مختلفة أفرزت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وبريطانيا الديمقراطية المحافظة، وفرنسا الديمقراطية الثورية، حتى استقرت دولها عقب الحرب العالمية الثانية على مشروع للوحدة قائم على التعاون والاعتماد المتبادل والوحدة الاقتصادية والعملة الواحدة وحرية التنقل للأفراد والسلع.
المتغير الثقافى عائد كمتغير يؤثر فى العديد من الظواهر الداخلية والدولية ومنها مشكلة الهجرة التى لها أبعاد سياسية واقتصادية إلا أن اختلاف عادات معظم المهاجرين وثقافتهم عن الثقافة الغربية جعل قضيتهم أيضا ذات بعد ثقافى، ورأينا كيف يتعامل «جيش ترامب» (بتعبير السيناتور الديمقراطى بيرنى ساندر) مع المهاجرين الأجانب الذين ينتمون فى غالبيتهم العظمى لأصول عرقية وثقافية غير بيضاء.
فى ظل عودة المتغير الثقافى بات على العالم العربى أن يستفيد من تراثه المشترك وحضارته (التى كانت عظيمة) ليؤسس مشروعا سياسيا لا يلغى المتغير الثقافى ولا يبكى على أطلالة.