بقلم: مصطفي الفقي
لقد حفلت السنوات الأخيرة فى حكم الرئيس الراحل مبارك بأحداث على المستوى الشخصى فقد تعرض لأكثر من محاولة اغتيال سواء فى داخل مصر أو خارجها، ولعل أبرزها ما حدث فى أديس أبابا على طريق المطار واستهداف القتلة لموكب الرئيس، وقد نجا منها بأعجوبة عندما طلب من سائق سيارته قبل تلقى بعض طلقات الرصاص الأولى أن يعود عكس الاتجاه بنفس حارة الطريق لأنه لو استدار فإن الكمين الأكبر كان فى انتظاره للقضاء عليه ومرافقيه من ورائه، فأمن رؤساء الدول والحكام قضية معقدة تحتاج إلى قدر كبير من الثبات الانفعالى والقدرة على التحكم فى الأعصاب والسيطرة على المواقف، ولعلى قد ذكرت من قبل مأساة الشاب الصغير الذى خرج منفعلًا بعد شجار عائلى خفيف مهددًا أسرته بأنه سوف يسبب لهم مصيبة كبيرة وبالفعل اقتحم ذلك الشاب الطائش البوابة الحديدية لمنزل الرئيس مبارك فأمطره الحرس رصاصًا قتله على الفور للاشتباه فى محاولة تخريب المدخل وتهديد حياة الرئيس الأسبق.
وكان الرئيس وقتها فى مدينة أسوان وجرى إبلاغه بالخبر وعندما قلت له هاتفيًا إنها محاولة فردية طائشة ليس لها خلفية، علق قائلًا: ومن الذى أعطاك الانطباع عن أننى قلق وخائف فهذا أمرٌ لم يحدث على الإطلاق، ثم اتصل برئيس الوزراء ووزير الداخلية وقائد الحرس الجمهورى وذاب الأمر فى زحام الأحداث ولم يقطعه إلا خبرٌ صغير عن توجه المستشار القضائى الجليل صهيب والد الشاب صاحب المغامرة المتسرعة التى دفع حياته ثمنًا لها إلى الأماكن المقدسة لأداء العمرة، وفى ظنى أن الرئيس مبارك كان يتمتع على المستوى الشخصى بأعصاب قوية وثقة كاملة فى الذات ولم أشعر بخلاف ذلك إلا عند وفاة حفيده الراحل محمد علاء مبارك حيث فقد الرجل أعز ما يملك بل أدعى أنه يوم فقد وعيه أثناء إلقاء خطابه فى مجلس الشعب بفعل انخفاض ضغط الدم لديه نتيجة تناوله لبعض المضادات الحيوية إثر حالة إنفلونزا حادة حينذاك لم يفقد الرئيس يومها وعيه وظل رابط الجأش رغم عدم قدرته على التماسك فى البداية حيث خرج معه من القاعة الدكتور حمدى السيد أستاذ القلب الشهير عضو المجلس وقتها كما خرج أيضًا وراءه المشير طنطاوى وزير الدفاع والدكتور زكريا عزمى رئيس الديوان بينما بقى السيد عمر سليمان يجلس صامتًا فى مقصورة الزوار يراقب الموقف بقلق شديد، وفى ظنى أن مبارك وهو طيار قاذفات جسور كان لديه جهاز عصبى متماسك فى الأوقات الصعبة وقد تجلى ذلك للجميع أثناء محاكمته وقدرته على ضبط النفس والتأقلم مع تقلب الأوضاع، لذلك حرصت دائما على توخى الموضوعية فى وصف ما عاصرته من فترة حكم مبارك سواء كنت عضوًا فى مؤسسة الرئاسة أو بعد أن خرجت منها، ولقد تمتع الرئيس الراحل بعلاقات وثيقة مع ملوك وأمراء الخليج العربى ولا زلت أذكر عندما زار الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولى عهد المملكة العربية السعودية أثناء حياة الملك فهد ومعه ثلاثة من أشقائه وأقام فى قصر القبة ضيفًا على الرئيس المصرى فى زيارة خاصة كنوع من الاعتذار والترضية حول ما نشرته صحيفة سعودية عن نشاط اقتصادى لنجلى الرئيس الراحل وذلك حرصًا منهم على العلاقة الطيبة معه والتقدير الخاص له، وأثناء تلك الزيارة الملكية الخاصة استدعت المراسم المصرية شخصيات ثلاثا وهم الراحل لطفى الخولى ومحمود السعدنى وكاتب هذه السطور حيث ناقش معنا ولى العهد السعودى البحث عن الأسلوب الأمثل للحفاظ على العلاقات المصرية السعودية بعيدًا عن الشائعات والأخبار المستفزة أحيانًا من أحد الطرفين تجاه الآخر، خلاصة القول أننى أريد أن أؤكد أن أى حاكم لمصر أو لغيرها له ما له وعليه ما عليه ولا بد أن يتمتع تقويم عهده بالمصداقية والشرف والحياد والصدق.