«أم الشعور» قصة قصيرة

«أم الشعور».. قصة قصيرة

«أم الشعور».. قصة قصيرة

 العرب اليوم -

«أم الشعور» قصة قصيرة

بقلم : عمار علي حسن

قطعوا اليوم الشجرة العجوز التى يراها النيل. كان الناس يمرون بها متعجبين لمرآها، جذعها العريض، وأفرعها التى تتدلى ضفائر عفية، حتى تنغرس بين بلاط الرصيف، وهامتها السامقة التى ترفرف عليها العصافير واليمام، والتجاويف التى تجرح جذرها، وتنبعث منها روائح طيبة.

فى الممر بين الشجرة وبين سور يعتلى النيل كان هناك مقعد حجرى طويل، طالما جلس عليه عشاق، مطمئنين إلى أن الشجرة تستر رغباتهم المستعرة، التى يكبتها سماع صوت مارة وسيارات تمرق فى الشارع، فتخرج قبلات خاطفة أو أحضانًا ما إن يبدأ دفؤها حتى ينتهى.

حين يجلس أحدهم إلى حبيبته، يقول لها:

والشجرة عمرها أكثر من مائة وخمسين عامًا، واحدة هى من مثيلاتها التى توزعت على مسافات متساوية بين كوبرى «قصر النيل» و«كوبرى الجامعة»، علامات هى للمكان، وشاهدات على أزمنة توالت من الحزن والفرح، وعلى قصص حب اكتملت، وأخرى أجهضتها ظروف قاسية.

هذا الفتى استملح واحدة من هذه الأشجار، التى يسميها الناس «أم الشعور». حين كان وحيدًا، لم يكن يحلو له الجلوس إلا وظهره إليها، ووجهه إلى النيل. يتأمل النهر السارى، والبنايات النظيفة الشاهقة على ضفته الغربية، وهو يحتسى الشاى الذى اشتراه فى كوب من الورق المقوى من بائعه الواقف قريبًا خلف نصبته المتنقلة، فلمَّا ينتهى تستغرقه قراءة أى من الروايات الرومانسية التى كان يفضلها على ما عداها، ويحلم بحبيبة تشاطره الجلسة الهانئة.

حين وجد الحبيبة، كان يواعدها عند الشجرة. فى المرة الأولى أتى بها إلى هنا، وقال لها وهما يعبران القنطرة المنحدرة من عند فندق «جراند حياة»:

ـ أريك خلوتى.

ولمَّا وصلا وقفت مندهشة أمام الشجرة، فغرت فاها فبان لؤلؤها، وارتخت شفتها السفلى، فهمَّ أن يلثمها، لكنها ردته فى لطف، وهى تقول:

ـ لم أر مثل هذه الشجرة من قبل.

أخرج من جيبه سكينًا صغيرة، كان قد أحضرها خصيصًا لتنفيذ ما عزم عليه. تعجبت من أن يحمل شابًا مسالمًا مثله أداة قتل، لكن زال عجبها حين رأته ينحنى عند الجذع، ويحفر أول حرف من اسمها، ثم يطوقه بأول حرف من اسمه. كتب الهاء، أول حرف من «هالة»، وطوقه بالطاء، أول حرف من «طاهر»ـ فامتزج الحرفان فى تلافيف متتابعة.

قالت له بعد أن انتهى:

ـ قد يطمس الزمن الحرفين.

داس على راحة يدها، وهو ينظر فى عينيها، وقال:

ـ نجددهما مع محبة لن تبلى.

كلَّما جاءا إلى هنا، كانا يطمئنان إلى بقاء الحرفين ظاهرين. لم يكن فى المرات اللاحقة بحاجة إلى سكين، إنما فقط حطبة مسنونة، كى يجرحهما من جديد، وهو يقول:

ـ دمى ودمك، وريقى وريقك، فى امتزاج أبدى.


تبتسم فى دلال، فيواصل:

ـ متى يختلط الماء بالماء؟

تزداد وجنتيها احمرارًا، وتسأله:

ـ متى تنتهى عقبات تحول دون إغلاق باب علينا؟

يحدثها عن عمل آخر التحق به بعد الظهر، ليدخر نفقات زواجهما، ثم ينظر إلى الشجرة، ويقول:

ـ مصيرنا واحد، مثل ضفائر هذه الشجرة.

طال بها الانتظار، وهو كلَّما ادخر مالاً أكلته الأسعار التى تتقدم بلا هوادة، وأضناه سؤال أمها عن موعد الزفاف، ورفض أبيها أن تخرج بصحبته كلما أراد. يتحسّس الدبلة الفضية التى تطوق إصبعه، وينظر إلى الدبلة الذهبية التى تطوق إصبعها، فيجدها تقول له:

ـ هذا هو الرباط.

لكنه يرد على الفور:

ـ رباطنا هناك محفور على جذع شجرتنا العجيبة.

كرر العبارة مرات كلما تعذر خروجها معه، وبعد أن دب اليأس فى أوصاله من قدرته على الزواج من محبوبته. كررها همسًا وهو ينظر إلى الحرفين المتعانقين خلف ظهره، ويولى وجهه شطر النيل، لكن هذه المرة بذهن لم يعد صافيًا، كى يتأمل البنايات على الضفة المقابلة، أو يقرأ سطور رواية.

كان وجهها وحده هو الذى يكبر هناك ويكبر، فيغطى كل شيء أمام ناظريه: البنايات الشاهقة، وسطور الكتب، حتى إنه حين استدار ليطمئن إلى وجود الحرفين ظاهرين، لم ير غير وجهها، بل إن ضفائر الشجرة غابت خلف ضفائر محبوبته.

صار مسكونًا بهما، الحبيبة والشجرة، ولم يحسب أبدًا أنه سيفقدهما فى يوم واحد. لا يمكنه الآن، وهو يمشى شاردًا فى شارع النيل، ينظر إلى جدار من الصاج أقاموه حجب المياه عن العيون، أن ينسى أنه قبل أسبوع خرج مكسورًا من بيت حبيبته، تمسك أصابعه علبة صغيرة تحوى الشبكة التى اشتراها لها. هكذا قرر أبوها وأمها فسخ الخطبة، لعجزه عن الإيفاء بمتطلبات الزواج.

خرج عند عصر ذلك اليوم، تكاد قدماه ألا تقدران على حمله، وراح يمضى فى الشوارع مغالبًا دموعه، واجتاحه شعور بأن الشجرة وحدها هى التى ستسمعه وتفهمه، وأن الأمل فى استعادة محبوبته باق طالما أن الحرفين لا يزالان مكانهما.

قطع الشارع نحو النيل، ورأسه مشغول بما سيقول للشجرة، لحظة أن يحط نظره على الحرفين المتعانقين. حين اقترب من المكان بقلب مرتجف، وعينين دامعتين، لم يجد الشجرة مكانها.

arabstoday

GMT 13:44 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

من أين الطريق؟

GMT 13:37 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أي دور إقليمي لإيران… وما مصير لبنان؟

GMT 13:34 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

هل هي استراحة بين حربين؟

GMT 13:31 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

الذين يريدون تغيير النظام

GMT 13:30 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

الأسرة والمخاطر والجندي الباسل

GMT 13:26 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

استراتيجية التصعيد من أجل التسوية!

GMT 13:24 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

ها نحن نعيد الكرَّة من جديد!

GMT 13:20 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

مصطفى فحص

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أم الشعور» قصة قصيرة «أم الشعور» قصة قصيرة



هيفاء وهبي تتألق بإطلالات خضراء مستوحاة من جمال الربيع

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 05:53 2026 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

إيران وعُمان تفرضان رسومًا للمرور من مضيق هرمز

GMT 22:17 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

ميتا تعلق شراكتها مع ميركور بعد اختراق بيانات ضخم

GMT 17:10 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

الإفراج عن الصحافية الأميركية المختطفة في بغداد

GMT 05:25 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

أفضل وقت لتناول «فيتامين c» لضغط الدم
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab