بقلم : عبد اللطيف المناوي
إيران ليست فنزويلا، حتى وإن تشابه البلدان فى امتلاك مخزون نفطى كبير، وفى الدخول فى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة. هذا التشابه الظاهرى لا يكفى للقول بإمكانية تكرار السيناريو الفنزويلى فى الحالة الإيرانية، إذ إن ما جرى فى كراكاس لا يبدو منطقيًا أو قابلًا للاستنساخ فى طهران، فى ظل اختلافات جوهرية ومتعددة. تناولنا بعض هذه الفروق بالأمس، ونستكملها اليوم.
الفارق الاجتماعى والسياسى لا يقل أهمية عن العوامل الاقتصادية. ففى فنزويلا، نجحت المعارضة، ولو لفترة، فى إنتاج قيادة رمزية قادرة على توحيد السردية الدولية حول فكرة «الشرعية البديلة»، ما ساهم فى تعميق عزلة النظام وتسريع تآكل شرعيته الخارجية. أما فى إيران، فالمعارضة شديدة التشتت، داخليًا وخارجيًا، قوميًا وأيديولوجيًا، ومن دون مركز جامع قادر على فرض نفسه فى الداخل والخارج فى آن واحد.
حتى فى ملف النفط، ورغم التشابه الظاهرى بين البلدين، تختلف القدرة على المناورة بشكل واضح. إيران راكمت خبرة طويلة فى بيع النفط تحت العقوبات، عبر آليات معقدة تشمل الخصومات، وشبكات الوساطة، وتبديل أعلام السفن ومسارات الشحن. فنزويلا حاولت اتباع مسارات مشابهة، لكنها فعلت ذلك فى سياق انهيار إنتاجى ومؤسسى عميق، جعل قدرتها على الصمود أضعف بكثير. إيران ليست دولة محصنة من الإنهاك، لكنها أكثر تمرسًا فى إدارة اقتصاد العقوبات من دولة دخلت فجأة فى دوامة الانهيار الشامل. ولا يمكن إغفال العامل العسكرى والأمنى فى هذه المقارنة. فرغم عسكرة السياسة فى فنزويلا، فإنها لا تمتلك منظومة ردع إقليمى ذات وزن. فى المقابل، تمتلك إيران قدرات صاروخية وشبكات نفوذ إقليمية تجعل أى سيناريو تصعيدى ضدها عالى الكلفة. هذا لا يعنى أن إيران بمنأى عن الضغوط أو الأخطار، لكنه يعنى أن سقف الخيارات المتاحة ضدها مختلف، وأن تكلفة الانهيار المفاجئ لا تقع على عاتقها وحدها، بل تمتد آثارها إلى الإقليم والنظام الدولى بأسره.
إن تشبيه إيران بفنزويلا قد يصلح كعنوان صحفى جذاب أو أداة سياسية فى سياق التعبئة، لكنه لا يصمد أمام التحليل الجاد. فنزويلا انهارت عندما تآكلت مؤسساتها وانكسر عمودها الاقتصادى الوحيد. أما إيران، فعلى الرغم من أزماتها العميقة، لم تفقد بعد قدرتها على إدارة الألم والتكيّف معه. وهذه القدرة وحدها تجعل تكرار السيناريو الفنزويلى، بالنتائج نفسها، احتمالًا بعيدًا، لا قراءة واقعية لمشهد معقّد ومتعدد الأبعاد.
ويبقى عامل آخر بالغ الأهمية لا ينبغى إخراجه من الحسابات، وهو العنصر العقائدى. فالبعد الدينى الذى صبغ النظام الإيرانى نفسه به منذ تأسيسه ليس مجرد خطاب، بل مكوّن فاعل فى بنية الشرعية والتعبئة. ويجب الاعتراف بأن لهذا البعد صدى وحضورًا حقيقيين فى قطاعات من المجتمع الإيرانى، وأن النظام نجح، عبر العقود الماضية، فى خلق دوائر دعم واستعداد للصبر والتحمّل، حتى فى ظل معارضة داخلية متنامية. هذا العامل، بحد ذاته، يشكّل فارقًا إضافيًا يجعل إسقاط المقارنة مع فنزويلا أكثر تعسفًا من أن يُؤخذ كتحليل ناضج.