العراق الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

 العرب اليوم -

العراق الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

بقلم :حازم صاغية

«في العراق، وأقول هذا بقلبٍ يملؤه الحزن، لا يزال لا يوجد شعب عراقي حقيقي. بل هناك جماهير بشرية خالية من أي فكرة وطنية، غارقة في التقاليد الدينية والخرافات، لا يربطها أي رابط مشترك، تميل إلى الفوضى، ومستعدة دائماً للانتفاض ضد أي حكومة. نريد أن نصنع من هذه الجماهير شعباً نقوم بتعليمه وتدريبه وتهذيبه».

هذه الفقرة كتبها فيصل الأوّل، أوّل حكّام العراق، عام 1932، عشيّة نيل الاستقلال المنقوص.

فالوطنيّة العراقيّة، مثل أغلب وطنيّاتنا، وصلتنا من الخارج، واصطدمت بالقوى الدينيّة والطائفيّة والإثنيّة المدجّجة بيقينها. وما تركه لنا فيصل شهادة بليغة عن معاناة بناء الوطنيّة الجامعة التي ينضوي فيها سُنّة العراق العرب، وشيعته الذين هُمّشوا بسبب «ثورة العشرين»، وكرده الذين سيقوا إليه بالقوّة، بعد سحق حركة محمود الحفيد، فضلاً عن مسيحيّيه ويهوده ومَندائيّيه...

لكنّ رحيل فيصل تزامن مع حقبة من التطرّف والتعصّب افتتحتها مذبحة سميل التي حلّت بالأشوريّين، وتولّي الحكم نجلُه القوميّ العربيّ غازي، الذي عُرف باضطراباته العصبيّة، ثمّ انقلاب بكر صدقي في 1936. واستمرّ التدهور الراديكاليّ وتصاعد في الأربعينات والخمسينات، فكان الصعود الفاشيّ والقوميّ العربيّ الذي توّجه انقلاب رشيد عالي الكيلاني في 1941، ثمّ التوسّع السوفياتيّ في المشرق الذي واكبه تعاظم قوّة الحزب الشيوعيّ.

وبدوره استخلص نوري السعيد، أبرز سياسيّي العهد الملكيّ، أنّ الوطنيّة العراقيّة تُقاس على ضوء إنجازاتها، لا على ضوء صراعها مع الغرب بما يعطّل الإنجازات ويُحلّ أولويّات آيديولوجيّة محلّ الأولويّات الفعليّة.

وبالفعل خالف نوريّ المشاعر الشعبويّة التي بايعت النازيّين ثمّ سارت في ركاب التحالف الناصريّ – السوفياتيّ، معوّلاً على الصمود في وجهها باسم الوطنيّة العراقيّة. ولأنّ تلك المشاعر كانت قويّة، وغالباً ما دعمتها قوى أجنبيّة، ذهب السعيد بعيداً في مواجهتها، فأعدم معارضين وعطّل بدايات ديمقراطيّة. بيد أنّه ركّز على الإنجاز، خصوصاً رفع عائدات العراق من النفط عبر الضغط السياسيّ على البريطانيّين. هكذا أقيمت البنية التحتيّة للعراق بناءً للسدود وتوسيعاً للقنوات وإنشاءً للجسور ومحطّات توليد الطاقة، فضلاً عن تشييد المدارس والمستشفيات، بحيث عُدّت سنوات الخمسينات أوّل جهدٍ جادٍّ لصالح التنمية.

صحيح أنّ مشاريعه لقيت انتقادات مُحقّة تطال التوزيع غير المتكافئ، وإفادة كبار ملاّك الأراضي من دون أيّ تعديل يطال ملكيّة الأرض. لكنّ ما فعله السعيد كان تدشين البدايات وتحرير العمل التنمويّ من انحيازات السياسة الخارجيّة تبعاً لمقدّمات آيديولوجيّة.

ومع انقلاب 1958 قُتل نوري وارتُكبت جريمة ذبح العائلة المالكة. إلاّ أنّ الحاكم الجديد، عبد الكريم قاسم، استأنف مسيرة الوطنيّة العراقيّة، ولو من منصّة عسكريّة وديكتاتوريّة.

ولئن عُرفت سنوات الحكم القاسميّ (1958-1961) بالتصدّي لمحاولة الابتلاع الناصريّة وامتداداتها العروبيّة والبعثيّة، ففيها خطت العمليّات الإصلاحيّة خطوات معتبرة.

فحينذاك وضع قانون للأحوال الشخصيّة عُدّ أرقى القوانين في العالم العربيّ، مانحاً المرأة حقوقاً مساوية لحقوق الرجل، كما تسلّمت أوّل امرأة عربيّة، هي الشيوعيّة نزيهة الدليمي، منصباً وزاريّاً. وفي ظلّ شعارات شديدة التواضع وكثيرة الإلحاح والضرورة كـ»مكافحة الفقر والجهل والمرض»، بنى للفقراء 35 ألف دار هي التي عُرفت بـ»مدينة الثورة»، وفي أواخر 1961 أصدر القانون الرقم 80 للنفط الذي لم يكن تأميماً، بل استعادة لحقّ الدولة في معظم الأراضي النفطيّة غير المستغَلَّة.

وأُعدم قاسم في انقلاب دمويّ نفّذه البعثيّون وحلفاؤهم عام 1963، ليُعاد إليه بعض الاعتبار بعد إطاحة صدّام في 2003.

لقد انطوى مسار الوطنيّة العراقيّة الصعب والمعقّد، مع نوري وقاسم، على أعطال بنيويّة أهمّها التصوّر الضيّق وضعيف الاستيعاب نسبيّاً للوطنيّة. وهو ما يفسّر عدم الاكتراث بالمسألة الزراعيّة، وإسقاط الجنسيّة عن يهود العراق في 1950، وابتداء الحرب على الكرد صيف 1961. مع هذا يمكن أن نتبيّن وجهة تشقّ طريقها وسط الكوابح القاتلة. فبعد موجتي الفاشيّة القوميّة العربيّة وعهد صدّام البعثيّ جاء التحدّي الكبير الثالث مع الهيمنة الإيرانيّة التي حاولت انتفاضة 2019 زحزحتها ولم تنجح.

وكان واضحاً أنّ الحياة البرلمانيّة التي نشأت بعد 2003 استبدلت الرقابة والمساءلة الشعبيّتين برقابة مركّبة يمارسها الاستقطاب العصبيّ والمزاعم الآيديولوجيّة المنتفخة في ظلّ رقابة العين الإيرانيّة الساهرة. ولم يكن بلا دلالة تلازم تلك العناصر والصعود الفلكيّ لفساد أهمّ مصادره السلطة السياسيّة.

وبسبب الالتحاق الأهليّ – الآيديولوجيّ بإيران، لم تكتف الأخيرة بتعطيل الوطنيّة العراقيّة بل أضافت إليه نهب الوطن العراقيّ. وإلى أوجه متعدّدة من النهب حظي بوزن خاصّ استخدام سوق الدولار المحلّيّ لتمويل التجارة مع إيران والالتفاف على قيود ماليّة فرضتها العقوبات.

أمّا اليوم فالوضع مشوب بالغموض، لكنّ ثمّة من يقولون إنّ الوطنيّة العراقيّة تنتظر إقلاعاً جديداً يمهّد لمكافحة الفساد والتبعيّة معاً. وفي انتظار أن تتّضح الأمور لن تفوتنا ملاحظة المعارضة الصريحة التي أبداها طرفان لأيّ تغيير يطال المسار السابق: علي أكبر ولايتي والميليشيات التي لا تزال ترفض تسليم السلاح والتوقّف عن قصف جيرانها.

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 07:47 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 07:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 06:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 06:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 06:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

GMT 01:54 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هل نمنع التصوير في بيت الفنانين؟!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العراق الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل العراق الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل



هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 06:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab