تطرح الأسئلة الحرجة نفسها على العام الجديد..
هل نحن بصدد تحديات وأزمات وأهوال جديدة؟.. أم أن هناك آمالًا معلقة على تغيرٍ ما مفاجئ فى صلب الأجواء المحبطة؟
السؤال بصياغته وتوقيته اعتيادى عند مغادرة عام واستقبال آخر.
هذه المرة تحجب الغيوم على الجسر الواصل بين عامين أية رؤية تطمئن على أى مستقبل منظور. إنه عام الغيوم وعدم اليقين. أخطر أسئلته: ما مستقبل النظامين الدولى والإقليمى؟ كلاهما استهلك مقوماته وأسسه، وتَقَوَّضَ تمامًا، دون أن يكون واضحًا ما بعدهما من توازنات قوة واعتبارات نفوذ.
قرب نهاية عام (2025) تبدت فرص شبه جدية لإنهاء الحرب الأوكرانية، التى أنهكت أطرافها المباشرة وغير المباشرة بحرب استنزاف طويلة. وتبدت فرص أخرى مراوغة وملغمة لوقف الحرب على غزة، التى تمددت فى حروب أخرى تهدد المنطقة كلها فى مستقبلها ووجودها نفسه.
بقوة الحقائق فإن النظام الدولى، الذى تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، يترنح من أزمة إلى أخرى دون أن تسقط أطلاله، أو يتأسس نظام جديد فوق أنقاضه. فى البداية سادته قوتان عظميان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، على مدى سنوات الحرب الباردة، قبل أن ينهار الأخير وتنفرد الأولى بقيادته.
بانهيار الاتحاد السوفيتى تغيرت الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأيديولوجية؛ انهار «حلف وارسو»، الذراع العسكرية لما كان يُطلق عليها الكتلة الاشتراكية، وبقى «حلف الناتو» متصدرًا المشهد العسكرى الدولى. بمقتضى صفقة غير معلنة بين الإدارة الأمريكية والكرملين توحدت الألمانيتان عام (1990) مقابل ألّا ينشر «الناتو» صواريخه وقواته قرب الحدود الروسية.
أزيح الستار الحديدى، وبدأت دعوات «نهاية التاريخ» تهيمن على العالم الجديد، الرأسمالى الليبرالى، تحت قيادة أمريكية شبه مطلقة.
أثناء أزمة «كوفيد-19»، التى أثارت الذعر فى مناطق واسعة من العالم، وأوروبا بالذات، طُرح سؤالان استراتيجيان.
أولهما: إذا ما كانت الولايات المتحدة جديرة بقيادة التحالف الغربى وحدها بعدما أدارت ظهرها للحلفاء، خاصة إيطاليا وإسبانيا اللتين روعتهما الجائحة، ولم تُبدِ استعدادًا للدفاع عن أمن التحالف المفترض، رافعة شعار: «الدفع مقابل الأمن».
وثانيهما: إذا ما كان الاتحاد الأوروبى قادرًا على التصدى المشترك للجائحة، أو يمتلك أية قدرة على توفير الأمن الجماعى بعيدًا عن العباءة الأمريكية.
كانت تلك شروخًا عميقة أفضت تداعياتها إلى خسارة «دونالد ترامب» الانتخابات الرئاسية الأمريكية التالية (2016) أمام المرشح الديمقراطى «جو بايدن»، الذى تبنى خيارات استراتيجية مختلفة، بينها إعادة بناء التحالف الغربى بصورة تقارب ما كان عليه سابقًا، دون إدراك الحقائق الجديدة التى طرأت على العلاقات الدولية، وعلى روسيا نفسها فى ظل «فلاديمير بوتين».
كانت أوكرانيا ميدان الحرب وليست موضوعها. بعد أربع سنوات من الاستنزاف العسكرى والمالى يحاول «ترامب» وقف الحرب حتى يُقال عنه «رجل سلام»!
معضلته على الجسر بين عامين أنه لا يمتلك رؤية واضحة لما بعد الحرب.
يتهم علنًا القادة الأوروبيين بالعجز والضعف، دون أن يكون بمقدوره الاستغناء عن الدور الأوروبى لحفظ المصالح الأمريكية العليا! هناك مخاوف أوروبية معلنة من أن تفضى تصرفات «ترامب» إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بالقارة وأمنها لصالح «بوتين»، الذى يرونه - بالمبالغة - خطرًا أمنيًا داهمًا.
معضلة النظرة الأوروبية أنها تؤسس إلى ما يشبه الطلاق الاستراتيجى مع الولايات المتحدة، دون القدرة على طرح بدائل تحفظ أمنها الجماعى.
على الجسر بين عامين تكاد تتلخص العقبة الرئيسية للمفاوضات الجارية حول عنوان واحد: ضم إقليم «دونيتسك» إلى روسيا، كما يُلح الكرملين، شرط لا تنازل عنه. إذا ما حصلت روسيا على ما تطلب، وموازين السلاح معها و«ترامب» أميل إلى هذا الخيار، فإنها هزيمة استراتيجية للطرف الآخر، وتداعياتها تدخل فى حسابات القوة الجديدة. إذا لم يتحقق لها ما تطلب، فإن الحصاد الأخير للحرب ينال من شرعية «بوتين» ويؤذن بأوضاع روسية جديدة.
بتلخيصٍ ما، فإن النتائج السياسية والعملية للمفاوضات الجارية سوف تقرر إلى حدود بعيدة صورة النظام الدولى الجديد. وبتلخيص مقارب فى روحه العامة، فإن النتائج السياسية الأخيرة للحرب على غزة سوف تقرر الصورة العامة للمسرح الإقليمى لحقب طويلة مقبلة.
على الجسر بين عامين تتغلب سيناريوهات الحرب على أكثر من جبهة. الحرب على إيران سيناريو محتمل، يُلح عليه رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» لإرباك الإقليم كله سعيًا لما يطلق عليه «النصر المطلق».
وبقدر آخر، من غير المحتمل تخفيض التوتر على الجبهتين اللبنانية والسورية، رغم ممانعات «ترامب» الخجولة.
خطة «ترامب» على محك الضغوط والمساومات بين الأمريكيين والإسرائيليين، دون أدوار عربية يُعتد بها!
«نتنياهو» يراهن على تقويض الخطة بصورة غير مباشرة، ووزير دفاعه «يسرائيل كاتس» يؤكد بصياغات متعددة: «لن ننسحب من غزة».
بالمقابل يضغط البيت الأبيض بقدرٍ ما للدخول فى المرحلة الثانية من الخطة حتى لا يُقال إنها فشلت، لكنه لا يصعّد حتى لا يخل بطبيعة العلاقة مع إسرائيل. هنا - بالضبط - جوهر أزمة «ترامب» فى إدارة ملفات الإقليم المشتعلة بالنيران.
نحن أمام فوضى إقليمية ضاربة محتملة، لا شرق أوسط جديد تقوده إسرائيل. هذه حقيقة مؤكدة بكل السيناريوهات، وأيًا كانت نتائج وتداعيات الحروب المنتظرة فى عام جديد يطل علينا.