قصة مبالغ فيها مكتملة أفضل من حقيقة مبتورة

قصة مبالغ فيها مكتملة أفضل من حقيقة مبتورة

قصة مبالغ فيها مكتملة أفضل من حقيقة مبتورة

 العرب اليوم -

قصة مبالغ فيها مكتملة أفضل من حقيقة مبتورة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

أعادت قضية إبستين تشكيل علاقة الناس بالحقيقة نفسها. فالقضية، بكل ما أحاط بها من صمت وانتقائية وإخفاقات، كسرت افتراضًا كان يبدو بديهيا لدى الرأى العام، أن الحقيقة، مهما تأخرت ستظهر عبر المؤسسات. ما حدث كان العكس تماما. الحقيقة لم تتأخر فقط، بل بدت مجزأة، منقوصة، ومشروطة، وهو ما أحدث شرخا عميقا بين الجمهور والمؤسسات التى يفترض أنها حارسة الحقيقة. لم يعد الجمهور يتعامل مع الرواية الرسمية بوصفها ناقصة، بل بدأ ينظر إليها باعتبارها إحدى الروايات الممكنة، وليست بالضرورة الأكثر صدقًا. ومع كل فجوة تفسيرية، ومع كل وثيقة تُنشر متأخرة، ومع كل اسم يُحاط بالصمت، تتآكل الثقة أكثر، وتُفتح المساحة أمام روايات بديلة.

الروايات البديلة لا تنتشر لأنها دقيقة دائما، بل لأنها تملأ فراغا. حين ترفض المؤسسات الإجابة الكاملة، أو تكتفى بإجابات تقنية باردة، يبحث الناس عن معنى. ونظريات المؤامرة، فى هذا السياق، ليست مجرد هروب من الواقع، بل محاولة لإعادة بناء قصة متماسكة لعالم يبدو مفككًا وغير منطقى. فالعقل البشرى يفضّل قصة مبالغًا فيها لكنها مكتملة، على حقيقة رسمية مبتورة لا تشرح شيئًا. الإعلام ساهم فى هذا التحول. التغطية الانتقائية، والتردد فى تسمية الأشياء بأسمائها، والتركيز على تفاصيل آمنة بدل الأسئلة الجوهرية، جعلت الجمهور يشعر بأن هناك مستويات للحقيقة، مستوى يُقال، ومستوى يُخفى. ومع ظهور ملايين الوثائق لاحقًا، لم يكن رد الفعل الأساسى هو الصدمة من المحتوى، بل الغضب من التوقيت. لماذا الآن؟ ولماذا لم تُقرأ بهذه الطريقة من قبل؟ هذا الإحساس بالتلاعب بالزمن الإعلامى قوّض ما تبقى من الثقة.

من هنا، أصبح الناس أكثر استعدادًا لتصديق الروايات البديلة ليس لأنهم سذّج، بل لأنهم تعلموا الشك. الشك لم يعد موقفا هامشيا، بل أصبح آلية دفاع معرفية. الجمهور لم يعد يسأل، هل هذه الرواية صحيحة؟ بل من المستفيد من هذه الرواية؟ ومن المستفيد من إخفاء غيرها؟ هذا التحول فى السؤال بحد ذاته يعنى أن المؤسسة فقدت موقعها المرجعى.

كما أن قضية إبستين جاءت فى لحظة تاريخية تتسم أصلًا بتآكل الثقة فى النخب، وتصاعد الشعبوية، وانتشار المنصات الرقمية التى تكسر احتكار السرد. فى هذا المناخ، أى فشل مؤسسى يتحول بسرعة إلى دليل اتهام شامل. لم تعد القضية معزولة، بل أُدرجت فى سردية أوسع تقول إن النظام، بكل أذرعه، يحمى نفسه قبل أن يحمى الحقيقة. وهكذا، يصبح تصديق الروايات البديلة نوعًا من التمرد الرمزى على سلطة فقدت مصداقيتها الأخلاقية.

الأخطر أن هذا التحول لا يتوقف عند قضية واحدة. حين يتعود الجمهور على أن الحقيقة الرسمية ناقصة، فإن هذا الشك ينتقل إلى قضايا أخرى: السياسة، الصحة، الاقتصاد، وحتى العلم. وهنا تكمن الكلفة الحقيقية لقضية إبستين ليس فيما كشفته، بل فيما كسرته. لقد كسرت الفكرة القائلة إن المؤسسات، مهما أخطأت، هى الطريق الأكثر أمانًا للوصول إلى الحقيقة.

arabstoday

GMT 10:23 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 10:22 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

الخدمة الأخيرة التي تستطيع "حماس" تقديمها!

GMT 10:19 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ترامب: مدرسة في الواقعيّة غير المنضبطة!

GMT 09:29 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

جريمة في حديقة

GMT 09:27 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ما وراء الوساطة التركية بين أميركا وإيران!

GMT 09:26 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

هل هناك هدنة وشيكة في السودان؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قصة مبالغ فيها مكتملة أفضل من حقيقة مبتورة قصة مبالغ فيها مكتملة أفضل من حقيقة مبتورة



أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - العرب اليوم

GMT 03:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
 العرب اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 16:41 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

روبيو يشترط إدراج الصواريخ في أي محادثات مع إيران

GMT 06:43 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

عطل تقني واسع يضرب خدمات شات جي بي تي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab