ماذا سيتبقى من الانتصار إن حدث

ماذا سيتبقى من الانتصار.. إن حدث؟

ماذا سيتبقى من الانتصار.. إن حدث؟

 العرب اليوم -

ماذا سيتبقى من الانتصار إن حدث

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى التاريخ، ليست كل الانتصارات متشابهة. هناك انتصارات تُرسّخ الهيمنة، وأخرى، ربما أخطر، تكشف حدودها. من هذا النوع كانت حرب البوير فى مطلع القرن العشرين التى تحدثنا عنها منذ عدة أيام، حين انتصرت الإمبراطورية البريطانية عسكريًا، لكنها خرجت من الحرب أقل ثقة، وأكثر انكشافًا أمام عالم بدأ يتغير. واليوم، يطرح المشهد المتشكل حول إيران احتمالًا مشابهًا، أن يتحقق نصر عسكرى، لكنه يحمل فى طياته بداية تآكل استراتيجى.

هذه الصورة تعود اليوم بشكل مختلف فى التعامل مع إيران. فالتقدير الأولى لأى مواجهة كان يفترض حسمًا سريعًا بفضل الفارق الكبير فى القدرات العسكرية. لكن الواقع يشير إلى أن الصراع لا يُدار وفق قواعد الحرب التقليدية. إيران لا تسعى إلى مواجهة مباشرة بقدر ما تعتمد على إطالة أمد الصراع، وتوسيع ساحته، ورفع كلفته على خصومها. هى لا تحتاج إلى الانتصار العسكرى الصريح، بل يكفيها أن تجعل «النصر» مكلفًا إلى درجة تفقده معناه.

وهنا تتغير طبيعة المعادلة. لم يعد السؤال من يمتلك القوة الأكبر؟ بل من يستطيع تحمّل كلفة استخدامها؟ فكلما طال أمد الصراع، تحولت نتائجه من ساحة المعركة إلى الاقتصاد والسياسة. ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب سلاسل الإمداد، الضغط على الأسواق، وتزايد التوترات الإقليمية. كلها عوامل قد تجعل أى انتصار عسكرى يبدو محدود الأثر أو حتى عبئا.

الأهم من ذلك أن هذه المواجهة تأتى فى لحظة عالمية مختلفة. لم تعد الولايات المتحدة تتحرك فى نظام دولى أحادى كما فى التسعينيات، بل فى بيئة تتسم بتعدد مراكز القوة، وصعود منافسين قادرين على استثمار أى استنزاف طويل. وهذا ما يجعل كلفة أى حرب ممتدة لا تُقاس فقط بنتائجها المباشرة، بل بما تفتحه من مساحات لآخرين.

فى الوقت نفسه، يعاد تشكيل مفهوم التحالف ذاته. الحلفاء لم يعودوا ينظرون إلى القوة الأمريكية كضمان مطلق، بل كجزء من معادلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها المصالح والشكوك والبدائل. وكلما طال أمد الصراع، زادت الحاجة إلى هذا الدعم، لكن زادت أيضًا الأسئلة حول حدوده واستمراريته.


فى هذا الإطار، يصبح احتمال «النصر الأجوف» واقعيًا. نصر يتحقق عسكريًا، لكنه يترك وراءه اقتصادًا مضغوطًا، وتحالفات قلقة، وخصمًا لم يُهزم بالكامل، بل أعاد تشكيل قواعد الاشتباك. نصر يثبت القدرة، لكنه يكشف القيود.

الدرس الذى يقدمه التاريخ بسيط فى صياغته، عميق فى معناه، القوة لا تُقاس فقط بقدرتها على الانتصار، بل بقدرتها على تحويل هذا الانتصار إلى استقرار. وإذا فشلت فى ذلك، يصبح النصر مجرد محطة فى طريق أطول من التحديات.

من هنا لا تكمن خطورة الحرب مع إيران فى احتمال الخسارة، بل فى احتمال الفوز بطريقة لا تحسم الصراع، بل تعيد إنتاجه بشكل أكثر تعقيدًا. وعندها، لا يكون السؤال، من انتصر؟ بل ماذا بقى من هذا الانتصار؟.

arabstoday

GMT 09:33 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

وجها السقوط

GMT 09:23 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

نقاشٌ مع الكاتب العُماني عاصم الشيدي

GMT 08:49 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

حرب السودان ومخطط شد الأطراف

GMT 08:41 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

ظروف الحروب ودروس التاريخ

GMT 08:39 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

يوم تهاوت المباني وصمدت التماثيل!

GMT 08:35 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

من يدفع الفاتورة

GMT 08:31 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

«النخب» الليبية وديمومة الخلاف والاختلاف

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا سيتبقى من الانتصار إن حدث ماذا سيتبقى من الانتصار إن حدث



إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - العرب اليوم

GMT 03:31 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

كيفية يناء علاقة قوية رغم اختلاف الأبراج

GMT 03:26 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

صواريخ من لبنان تضرب كريات شمونة شمال إسرائيل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab