بقلم: عبد اللطيف المناوي
تستند الدول إلى دساتيرها وقوانينها وتاريخها، وقد تستمد شرعيتها من انتخابات أو ثورات أو إنجازات كبرى. لكن هذه المصادر، على أهميتها، لا تكفى وحدها لحماية العلاقة بين الدولة ومواطنيها. فالشرعية لا تُمنح مرة واحدة ثم تبقى إلى الأبد، إنها تُختبر وتتجدد كل يوم فى حياة الناس.
يلتقى المواطن بالدولة معظم الأحيان بعيداً عن الخطب والمناسبات. يراها فى المدرسة والمستشفى والمحكمة وقسم الشرطة ومكتب استخراج الأوراق، وفى الطريق ووسيلة النقل. هناك تتكون صورته الحقيقية عنها. فإذا وجد معاملة تحفظ كرامته، وقاعدة تُطبق على الجميع، وخدمة تؤدى بكفاءة، شعر بأن الدولة تخصه وتحميه. أما إذا واجه الإهمال أو الإهانة أو الواسطة، فإن ثقته تهتز، مهما كانت النصوص جميلة والخطابات مقنعة.
يمكن التمييز هنا بين شرعية التأسيس وشرعية الأداء. الأولى تفسر كيف قامت الدولة أو كيف وصل نظامها السياسى إلى الحكم، أما الثانية فتجيب عن سؤال أكثر قرباً من المواطن هو ماذا تفعل الدولة من أجلى وكيف تعاملنى؟ وقد تملك مؤسسة ما سند قانونى كامل، لكنها تفقد تدريجياً رصيدها المعنوى إذا عجزت عن أداء وظيفتها أو عاملت الناس باعتبارهم عبء. وحين تتسع الفجوة بين الشرعيتين لا يعود الاستناد إلى الماضى قادر على تعويض حاضر يراه المواطن كل يوم ولا يجد نفسه فيه.
الخدمات العامة قضية سياسية أيضاً. سرير فى مستشفى، ومقعد فى مدرسة، وحكم قضائى يُنفذ، وطريق آمن، وشكوى تجد من يجيب عنها، هذه كلها تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تبنى إحساس المواطن بالانتماء والإنصاف. الدولة تصبح حاضرة فى وجدانه عندما يشعر بأن حقه لا يحتاج إلى واسطة، وأن ضعفه لا يجعله أقل قيمة أمام مؤسساتها.
ولا تعنى الشرعية اليومية أن تلبى الدولة كل المطالب أو تتجنب القرارات الصعبة. قد تضطر إلى فرض ضرائب أو خفض إنفاق أو اتخاذ إجراءات غير شعبية. لكن المواطن يكون أكثر استعداداً لتحمل العبء حين يفهم أسبابه، ويرى أنه موزع بعدالة، ويثق بأن من يطلبون منه التضحية يخضعون للقواعد نفسها. الناس قد تقبل المشقة، لكنها ترفض الشعور بأنها وحدها من يدفع الثمن.
الكفاءة لا تكفى إذا غاب العدل. قد تنجز المؤسسة معاملات كثيرة بسرعة، لكنها تفقد احترام الناس إن ميزت بينهم. الشرعية اليومية تقوم على اجتماع الكفاءة والعدالة والكرامة، غياب أحدها يضعف الاثنين الآخرين.
بعض الحكومات تنشغل بصورتها العامة أكثر من تجربة المواطن الفردية. تشرح الإنجازات الكبرى، لكنها لا تنتبه إلى أن موظفا متعاليا أو إجراء عبثيا قد يهدم فى دقائق ما بنته حملة كاملة. فالمواطن لا ينكر المشروع الكبير بالضرورة، لكنه يقيس أثره بما تغير فعلًا فى حياته.
الدولة القوية لا تطلب الثقة، بل تنتج أسبابها. تعترف بالخطأ، وتصلحه، وتستمع إلى الشكوى قبل أن تتحول إلى غضب، وتراقب كيف تُمارس السلطة فى أدنى مستوياتها. فالدستور يؤسس الشرعية، والتاريخ يمنحها العمق، لكن العدل والكرامة وكفاءة الخدمة هى التى تجدد العقد بين الدولة والمواطن كل صباح.