بقلم : عبد اللطيف المناوي
فى الجزء الأول توقفتُ عند الإشارة، عند تلك الإحداثيات التى قد تبدو تقنية فى ظاهرها، لكنها فى هذه الجغرافيا لا تُقرأ إلا باعتبارها سياسة مكتوبة بلغة الخرائط. واليوم، حين ننظر إلى رد الفعل الخليجى، يتضح أن الرسالة لم تمر كإجراء إدارى عابر، بل كإشارة تستدعى يقظة جماعية.
اللافت أن الموقف الخليجى جاء متماسكًا على نحو يعكس تحولًا عميقًا فى مفهوم الأمن الإقليمى. السعودية أعلنت مراقبتها بقلق بالغ، مؤكدة ملكيتها المشتركة مع الكويت للثروات فى المنطقة المقسومة وفق اتفاقيات نافذة، والإمارات أعلنت تضامنها الكامل مع الكويت، فيما تحركت الكويت دبلوماسيًا باستدعاء القائم بالأعمال العراقى وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية. هذه الاستجابة لم تكن تصعيدية، لكنها كانت واضحة فى دلالتها، السيادة لم تعد شأنًا ثنائيًا ضيقًا، بل جزءًا من منظومة تضامن أوسع.
لكن السؤال الأعمق يظل قائمًا، لماذا تبدو خرائط المنطقة قابلة دائمًا لإعادة النقاش؟ جزء من الإجابة يكمن فى طبيعة الجغرافيا الخليجية نفسها، حيث تتداخل المياه الإقليمية، وتتشابك المصالح الاقتصادية، وتتعقد حسابات الموانئ والممرات البحرية. البحر هنا ليس فضاءً مفتوحًا فقط، بل خزان طاقة محتمل، وممر تجارة حيوى، وحدًّا سياديًا شديد الحساسية. أى تغيير، حتى لو كان فى صياغة الإحداثيات، يُقرأ كاحتمال لإعادة توزيع نفوذ وثروات.
وجزء آخر من الإجابة يتعلق بطبيعة العلاقة العراقية– الكويتية. صحيح أن المسار منذ ٢٠٠٣ شهد محاولات جدية لإعادة بناء الثقة، وتسويات للديون والتعويضات، وزيارات متبادلة، لكن الذاكرة الجمعية فى الخليج لا تزال تحتفظ بظل ١٩٩٠. التاريخ فى هذه المنطقة ليس ماضيًا منتهيًا، بل عنصرًا حاضرًا فى تفسير كل خطوة. ولذلك، فإن أى التباس فى ملف الحدود، مهما كانت دوافعه، يتحول سريعًا إلى اختبار نوايا.
المنطقة اليوم لا تحتمل رفاهية أزمة حدودية جديدة. حرب غزة، التوتر فى البحر الأحمر، الاستقطاب بين محاور إقليمية، والتحولات فى موازين القوى الدولية، كلها تجعل أى احتكاك إضافى عبئًا استراتيجيًا. فى هذا السياق، تبدو الحكمة فى نقل الملف إلى مساره الطبيعى، لجان فنية مشتركة، تفسير قانونى مشترك لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، أو حتى اللجوء إلى آليات التحكيم إن لزم الأمر. القانون الدولى ليس مجرد نصوص، بل آلية لخفض حرارة السياسة.
الأهم من ذلك أن تُدار الأزمة بعيدًا عن الاستثمار الداخلى أو المزايدات الإعلامية. فى ١٩٩٠ بدأت الأمور بإشارات لم تُقرأ جيدًا، وبافتراضات خاطئة عن حدود الضغط السياسى الممكن. التاريخ علّم المنطقة أن سوء تقدير حساسيات السيادة فى الخليج خطأ مكلف للغاية.
ربما تكون اللحظة الحالية فرصة لإعادة تثبيت مبدأ بسيط لكنه حاسم: أن الحدود التى رُسمت بعد حرب مدمرة ليست مساحة اختبار، بل قاعدة استقرار. فالخرائط ليست خطوطًا جامدة، بل تعبير عن توازنات وسيادات وذاكرة جماعية. وأى تعديل فيها، حتى لو كان تقنيًا، يحتاج إلى حساسية سياسية بحجم التاريخ الذى يقف خلفه.