بقلم: عبد اللطيف المناوي
تبدو المفارقة التى تواجه الولايات المتحدة اليوم أكثر تعقيداً مما كانت عليه عند بداية المواجهة مع إيران. فبينما تبحث واشنطن وطهران، عبر الوسطاء، عن صيغة تنهى الحرب بينهما، تتزايد احتمالات انخراط الولايات المتحدة فى مواجهة عسكرية أوسع داخل اليمن، إلى جانب السعودية، ضد الحوثيين. وهكذا قد تجد واشنطن نفسها تدخل حرب جديدة، فى الوقت الذى تحاول فيه الخروج من حرب لم تنتهِ بعد.
لم يعد الأمر مجرد احتمال نظرى. فالهجمات المتصاعدة على المنشآت والمطارات السعودية، وما خلفته من خسائر بشرية، وضعت الإدارة الأمريكية أمام ضغوط سياسية وأمنية متزايدة. وفى المقابل، تستمر العمليات العسكرية للقوات اليمنية المدعومة سعوديًا قرب باب المندب، بينما يحتفظ الحوثيون بقدرتهم على توجيه ضربات صاروخية ومسيّرة إلى العمق السعودى.
المشكلة أن الحرب لم تعد تتحرك بإيقاع واحد، ولا تخضع بالضرورة لحسابات طرفين رئيسيين. فواشنطن تستطيع أن تتفق مع طهران على وقف الضربات المباشرة، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن الحوثيين سيتوقفون. وإيران تستطيع أن تستخدم نفوذها لدى الحوثيين للمساعدة فى التهدئة، لكنها لا تملك بالضرورة سلطة إصدار الأوامر إليهم، أو القدرة على فرض تنفيذها.
هنا تظهر الطبيعة المعقدة للعلاقة بين طهران والحوثيين. فالحركة ليست مجرد أداة إيرانية بلا إرادة، كما أنها ليست مستقلة عن الدعم الإيرانى الذى ساهم فى بناء قدراتها العسكرية. إنها قوة يمنية لها مشروعها المحلى وحساباتها الخاصة، وتعمل فى الوقت نفسه ضمن شبكة إقليمية تتقاطع مصالحها مع إيران. ولذلك فإن إنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية لا يعنى تلقائيًا انتهاء الحرب فى اليمن.
الأخطر أن احتمال التدخل الأمريكى المباشر ضد الحوثيين قد يخلق معادلة جديدة. فواشنطن قد ترى فى هذا التدخل ضرورة لحماية السعودية والملاحة الدولية، من دون أن تعتبره تراجعا عن قرار تجنب استئناف الحرب مع إيران. لكن طهران قد تنظر إليه باعتباره استهدافًا لأحد أهم حلفائها الإقليميين، خصوصًا إذا أصبحت مواقع الحوثيين الأساسية مهددة.
لكن ما يزيد الموقف تعقيدًا أن الأطراف المختلفة تعتقد أن استمرار الضغط قد يحسن شروطها التفاوضية. كل طرف يرى فى التصعيد وسيلة لتحسين موقعه، لكن مجموع هذه الحسابات قد يدفع الجميع إلى حرب أوسع لا يريدها أحد بالضرورة.
لهذا لا يكفى البحث عن اتفاق أمريكى إيرانى يعيد فتح هرمز ويعالج الملف النووى. المطلوب أيضًا تصور سياسى وأمنى يمنع استمرار الحروب المرتبطة بالمواجهة الأصلية، وفى مقدمتها اليمن، من دون أن يعنى ذلك رهن التسوية كلها بموافقة كل طرف إقليمى.
ربما يكون التحدى الحقيقى الآن هو الفصل بين الجبهات بما يسمح بإطفائها تدريجيًا، بدل محاولة حل جميع الأزمات فى صفقة واحدة يصعب تحقيقها.
فالخطر لم يعد أن تفشل واشنطن وطهران فى إنهاء حربهما فقط، بل أن تنجحا فى ذلك بعد أن تكون الحرب قد أنجبت مواجهات أخرى لا يكفى اتفاقهما وحده لإنهائها.
قد يصبح الخروج من الحرب الأمريكية الإيرانية أسهل من الخروج من الحروب التى أطلقتها.