بقلم : عبد اللطيف المناوي
قرار الحكومة بإلغاء الإغلاق المبكر يستحق التوقف بقدر ما استحق القرار نفسه النقاش قبل أسابيع. فالدولة التى قررت، تحت ضغط أزمة طاقة حقيقية، تقليص ساعات النشاط لتخفيف الاستهلاك، هى نفسها التى عادت بعد فترة قصيرة لتتراجع. هذا التراجع فى ذاته لا يُعد ضعفًا، بل يمكن اعتباره مؤشرًا إيجابيًا على أن صانع القرار مازال قادرًا على المراجعة والتكيف مع الواقع. فالدولة الرشيدة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض القرار، بل بقدرتها على تصحيحه.
السؤال المهم ليس لماذا تراجعت الحكومة، بل لماذا اتخذت القرار أصلًا بهذه الصورة، وما الذى تغيّر خلال فترة قصيرة ليجعلها تعيد النظر فيه؟ الحكومة قدمت مبررات مفهومة، ارتفاع تكلفة الطاقة، اضطراب الإمدادات، والرغبة فى تجنب موجة جديدة من رفع الأسعار. هذا منطق يصعب الاعتراض عليه. لكن ما لم يُعرض بوضوح هو الحساب الكامل الذى بُنى عليه القرار، كم كان يُفترض أن يوفر الإغلاق المبكر؟ وما حجم الخسائر المقابلة على النشاط الاقتصادى، خاصة فى اقتصاد ليلى يمثل مصدر رزق لقطاعات واسعة؟
ثم جاء التراجع دون شر. لم تُعرض أرقام دقيقة توضح ما إذا كان القرار قد حقق أهدافه أو فشل فيها أو حققها جزئيًا. لم نعرف هل كان الوفر أقل من المتوقع، أم أن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية كانت أعلى مما يمكن تحمله. هذا الغموض هو جوهر المشكلة، لأنه يفتح الباب للتأويل بدل الفهم.
المسألة هنا ترتبط بطريقة إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع. الناس لا ترفض القرارات الصعبة إذا فُهمت، لكنها تفقد الثقة حين تُطلب منها التضحيات دون أن ترى الحسابات التى بُنى عليها القرار. الشفافية ليست ترفًا، بل شرطًا لنجاح أى سياسة عامة، لأن القرار غير المفهوم يفقد جزءًا من قدرته على الاستمرار حتى لو كان صحيحًا فى جوهره.
يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن للحكومة أن تعترف بأن التقدير الأولى لم يكن دقيقًا إذا كان هذا هو ما حدث؟ هذا ليس عيبًا، بل دليل نضج. الاعتراف لا يعنى الفشل، بل يعنى أن القرار اتُخذ فى ظروف ضاغطة، وأن البيانات اللاحقة كشفت ما لم يكن واضحًا. المشكلة ليست فى الخطأ، بل فى الإصرار عليه، وليست فى التراجع، بل فى غياب التفسير.
القرارات السريعة قد تكون ضرورية، لكن يجب أن يتبعها شرح واضح للكلفة والعائد. المجتمع لم يعد مجرد متلقٍ، بل طرف يتأثر ويقيّم. لذلك فإن إشراكه فى الفهم أصبح جزءًا من نجاح القرار نفسه. كما أن المرونة فى التراجع تُحسب للدولة، لكنها تصبح أكثر قيمة عندما تكون مصحوبة برواية واضحة تشرح ما حدث ولماذا.
ما حدث يجب أن يتحول إلى درس واضح، كيف تُتخذ القرارات، وكيف تُراجع، وكيف تُشرح. فالدولة القوية ليست تلك التى لا تخطئ، بل تلك التى تُدير الخطأ بشفافية، وتحوّل التجربة إلى معرفة، والقرار إلى سياسة أكثر نضجًا فى المستقبل.