بقلم : عبد اللطيف المناوي
المرة الأخيرة التى التقيته فيها كانت قبل أسابيع قليلة، فى عزاء أحد المعارف المشتركين. كان وجهه يحمل ما تحمله الوجوه التى عبرت زمنًا طويلًا من المسؤوليات والتحديات؛ إرهاق السنين، وضغط المعارك، وهدوء مَن يعرف أن لكل شىء حسابًا وتاريخًا. لكن خلف هذا الإرهاق كانت هناك نظرة الحكمة، وعمق المعرفة، وحكمة الصبر التى لا تتكوّن إلا فى مدرسة التجربة الطويلة. كان هادئًا، موزونًا، كما عرفناه دائمًا، رجل قانون قبل أن يكون رجل سلطة. وظل متابعاً ومهتماً، وناقشنى فى بعض ما كتبت.
غيَّب الموت الفقيه القانونى المصرى، وزير التعليم العالى الأسبق، ووزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية الأسبق، وأستاذ القانون الدولى بجامعة القاهرة، عن عمر ناهز التسعين عامًا، بعد مسيرة علمية ووطنية استثنائية امتدت لعقود.
اسمه سيبقى محفورًا فى الذاكرة الوطنية بوصفه أحد مهندسى معركة استرداد طابا. كان عضوًا فى اللجنة القومية لاستعادة طابا، وعضوًا فى فريق الدفاع المصرى أمام هيئة التحكيم الدولية فى جنيف بين عامى ١٩٨٦ و١٩٨٨. يوم صدر الحكم التاريخى لصالح مصر لم يكن انتصارًا قانونيًا فحسب، بل كان تثبيتًا لمبدأ أن السيادة تُستعاد بالحجة كما تُحمى بالقوة. روى لاحقًا تفاصيل تلك اللحظة، كيف انصبت المعركة على علامات حدودية محددة، وكيف جاء الحكم حاسمًا بأن المواقع التى تمسكت بها مصر هى الصحيحة، لتعود طابا ويرتفع العلم المصرى فى ١٩ مارس ١٩٨٩.
فى مجال القانون الدولى، كان شهاب باحثًا دقيقًا ومنهجيًا. لم يكن أكاديميًا منعزلًا، بل عقلًا قانونيًا حاضرًا فى صلب القرار الوطنى.
وأذكر واقعة تعكس مكانته فى لحظة فارقة من تاريخ مصر الحديث. عندما طلب الرئيس الراحل حسنى مبارك من المشير محمد حسين طنطاوى واللواء عمر سليمان مراجعة الدكتور مفيد شهاب فى قانونية ودستورية إعلان تسليم السلطة للجيش والإجراءات التالية، كان ذلك فى ظرف سياسى شديد الحرج، وتحت ضغط غير مسبوق. فى تلك اللحظة، كان مفيد شهاب هو عامل الضبط الدستورى فى ذهن الرئيس، وصوت القانون الذى لا يغيب حتى فى أوقات العاصفة. لم يكن دوره سياسيًا بقدر ما كان قانونيًا: أن يُبقى الفعل العام داخل حدود الدستور، وأن يذكّر بأن الشرعية لا تُدار بالعاطفة بل بالنصوص. نَعَتْه وزارة الخارجية بوصفه «أحد أبرز الفقهاء القانونيين فى مصر، وعَلَمًا من أعلام القانون»، مشيدة بدوره فى صون سيادة الدولة والدفاع عن مصالحها العليا. كما نعَتْه جامعة القاهرة مؤكدة أنه أحد أعلام الفكر القانونى فى مصر والعالم العربى، وأن أجيالًا من القانونيين والباحثين تخرّجوا على يديه. كان مفيد شهاب طرازًا خاصًا من رجال الدولة، أكاديميًّا صارمًا، ومسؤولًا هادئًا، ورجل قانون يقدّم النص على النزعة، والحجة على الانفعال. لم يكن خطيبًا شعبويًا، ولا لاعبًا فى هوامش السياسة، بل ضابط إيقاع دستورى فى قلبها.
رحم الله مفيد شهاب العالِم الجليل، ورجل الدولة الذى آمن بأن القانون هو الحارس الأخير للأوطان.