بقلم: عبد اللطيف المناوي
يبدو المسار الذى تقوده الدولة اللبنانية الخيار الأكثر واقعية، وإن كان الأكثر تعقيدا أيضا.
هذا المسار لا يمكن أن يقوم على مطالبة حزب الله بتسليم سلاحه فورا ومن جانب واحد، ولا على تجاهل حقيقة الاحتلال الإسرائيلى والمخاوف الأمنية التى يستند إليها الحزب فى تبرير احتفاظه بقوته العسكرية.
فى الثانى من مارس، قررت الحكومة اللبنانية الحظر الفورى لأنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، وطالبته بتسليم سلاحه وحصر نشاطه فى المجال السياسى، مؤكدة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة وحدها. ثم جاء اتفاق السادس والعشرين من يونيو ليطرح مسارا يقوم على انسحاب إسرائيلى تدريجى، بالتوازى مع انتشار الجيش اللبنانى ونزع سلاح الحزب بصورة قابلة للتحقق.
رفض حزب الله الاتفاق، معتبرا أنه أقرب إلى صيغة استسلام، وأنه يسمح لإسرائيل بالبقاء، ولو مؤقتا، داخل منطقة أمنية موسعة فى الجنوب.
ولا يخلو اعتراض الحزب من وجاهة؛ فمطالبته بنزع سلاحه قبل تحديد جدول ملزم للانسحاب الإسرائيلى، ومن دون ضمانات تمنع تجدد الهجمات، تعنى أن يقدم تنازله الأساسى مسبقا، بينما تبقى التزامات الطرف الآخر مؤجلة أو غير مضمونة. لكن رفض المسار برمته لا يفتح طريقا ثالثا، بل يعيد الحزب إلى خيارين سبق اختبار مخاطرهما، انتظار تسوية إقليمية قد لا تأتى قريبا، أو العودة إلى حرب يصعب التحكم فى حدودها ونتائجها.
يتمثل الخيار العملى فى اتفاق متدرج ومتزامن، يقضى بانسحاب إسرائيل من مناطق محددة مقابل انتشار الجيش ووقف عمليات الحزب وسحب مقاتليه وأسلحته الثقيلة من جنوب الليطانى. ومع اتساع الانسحاب، تتوسع سلطة الدولة وتبدأ عودة السكان وإزالة الألغام وإعادة الإعمار.
بعد تثبيت هذا المسار فى الجنوب، يمكن الانتقال إلى مستقبل سلاح الحزب وقدراته العسكرية. وهى ملفات لا تُحل بقرار إدارى، ولا بمحاولة انتزاع السلاح بالقوة، لأن أى خطوة غير محسوبة قد تفتح الباب لمواجهة داخلية لا يملك لبنان ترف الدخول فيها. كما لا يمكن تركها معلقة إلى أجل غير معلوم، لأن استمرار وجود قرار عسكرى مستقل عن الدولة سيبقى البلاد معرضة لحروب لا تتحكم مؤسساتها فى توقيتها أو مسارها.
ويتطلب نجاح التسوية ضمانات متبادلة، من جدول واضح وملزم للانسحاب الإسرائيلى، ودعم سياسى وعسكرى حقيقى للجيش اللبنانى، وقد تتضمن التسوية دمج جزء من الخبرات البشرية والتقنية للحزب فى المؤسسات الرسمية، ووضع الأسلحة الثقيلة تدريجيًا تحت إشراف الدولة، مقابل ضمانات بعدم استهداف الحزب أو بيئته سياسيا وأمنيا بعد تخليه عن دوره العسكرى المستقل.
الخيار الحقيقى ليس بين الاحتفاظ بالسلاح والاستسلام، بل بين مواصلة إدارة الأزمة حتى تنفجر من جديد، أو الدخول فى تسوية تعيد إلى الدولة قرارها السيادى، مقابل انسحاب إسرائيل وإعمار الجنوب وعودة النازحين.
فالانتظار لا يعيد السكان إلى قراهم، والتصعيد لا يبنى ما دمرته الحرب. أما المسار المتدرج فقد يشكل مخرجا واقعيا، شرط ألا يتحول إلى غطاء لبقاء الاحتلال، أو محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة.