بقلم: عبد اللطيف المناوي
المشكلة فى الخطاب الاقتصادى الحكومى لا تبدأ عندما يقدم رقمًا غير صحيح، بل قد تبدأ عندما يستخدم رقمًا صحيحًا لاختصار واقع أكثر تعقيدًا. فتراجع التضخم إنجاز نسبى، لكنه لا يكفى وحده لإقناع مواطن مازالت قدرته الشرائية أقل، وفاتورته أعلى، واحتياجات أسرته تتسع بوتيرة أسرع من دخله.
لهذا تحتاج الحكومة إلى طريقة مختلفة فى التواصل، تقوم على المكاشفة لا المبالغة، وعلى إشراك المواطن فى فهم الأزمة بدلًا من مطالبته بتصديق أن آثارها قد انتهت.
كان يمكن أن تبدأ الرسالة الحكومية باعتراف واضح.. نعم، كلفة الحياة مازالت مرتفعة.. نعم، دخل الأسرة فقد جزءًا من قوته الشرائية.. ونعم، تراجع التضخم يمثل بداية للتعافى، وليس نهاية للمشكلة.
مثل هذا الاعتراف لا يضعف صورة الحكومة، بل يزيد صدقية خطابها. الناس لا ينتظرون مِن المسؤول أن يقول إن كل شىء سيصبح جيدًا غدًا، لكنهم يريدون أن يشعروا بأنه يدرك ما يعانونه، ولا يستخدم الأرقام لإنكار تجربتهم اليومية.
بعد الاعتراف يأتى التفسير: ما السلع التى انخفضت بالفعل؟ ولماذا انخفضت؟ وما السلع التى لاتزال أسعارها مرتفعة؟ وما أسباب ذلك؟ ومتى ينعكس تراجع التضخم على أسعار الفائدة وكلفة التمويل والإنتاج؟ وكيف ستتعامل الدولة مع الأجور والحماية الاجتماعية والمنافسة والاحتكار؟
ثم تأتى خريطة الطريق. يحتاج المواطن إلى جدول زمنى ومؤشرات يستطيع متابعتها بنفسه، حركة أسعار السلع الأساسية، ونسبة الدخل التى تستهلكها الأغذية والمواصلات، وتطور الأجور الحقيقية، وكلفة الدواء والتعليم، ومدى وصول انخفاض تكلفة الإنتاج إلى المستهلك. هنا تتحول الأرقام من مادة للدعاية إلى أساس للمحاسبة.
كما يجب التمييز بين عرض نجاحات الاقتصاد الكلى والادعاء بأن نتائجها وصلت بالفعل إلى كل بيت. من حق الحكومة أن تقدم ما تحقق فى النمو والاحتياطيات والبطالة والدين، لكن من واجبها أيضًا أن تشرح لماذا لم يشعر به المواطن بعد، وما الذى ستفعله لاختصار المسافة بين تحسن الدولة وتحسن حياة الناس.
الثقة لا تُبنى بأن تقول الحكومة للمواطن إن الأسعار انخفضت، بينما يرى هو أن دخله يشترى أقل.. بل تُبنى حين تقول له نعرف أن العبء مازال ثقيلًا، وهذا ما تحقق، وهذا ما لم يتحقق، وهذه خطواتنا، وهذا هو الوقت المتوقع، وهذه هى المعايير التى يمكن أن تحاسبنا على أساسها.
الأمل الحقيقى ليس جملة إعلامية ولا وعدًا مفتوحًا. إنه صورة واضحة للمستقبل، تقوم على الاعتراف بالمشكلة، ومشاركة المواطن فى الإحساس بها، وتقديم طريق مفهوم وقابل للقياس للخروج منها.
الأرقام مهمة، لكنها لا تكفى. وبين تحسن المؤشرات وتحسن حياة الناس تقع مسؤولية الحكومة متمثلة فى إدارة الاقتصاد، وفى إدارة الحوار مع المواطنين بصدق ووضوح واحترام.