في سيكولوجيا عقلٍ يرى الموتَ عقابًا

في سيكولوجيا عقلٍ.. يرى الموتَ عقابًا!

في سيكولوجيا عقلٍ.. يرى الموتَ عقابًا!

 العرب اليوم -

في سيكولوجيا عقلٍ يرى الموتَ عقابًا

بقلم : فاطمة ناعوت

أكتبُ هذا المقال بعد هوجة الهرج والمرج الساذجة التى أطلقها المتشددون مع شائعة موت المفكر والكاتب التنويرى «إبراهيم عيسى» فى حادث سير. وأن موته عقابٌ له على فيلم «الملحد»، الذى هو بالحقّ دعوةٌ ناصعةٌ للإيمان بالله دون وصاية ولا جبر. وحسنًا قال إنه سوف يُفلِسُهم فى الآخرة، مثلما أفلَسَهم فى الدنيا.

مُنتهى التدنّى الأخلاقى والضحالة الفكرية أن نتمنى الغيابَ لمن يختلفُ معنا، بدلا من تأمُّل الاختلافِ فى الرأى بوصفه ثراءً معرفيًّا، وسِعةً إنسانية، وسُنّة من سُنن الخلق: ولو شاء اللهُ لجعلنا فكرًا واحدًا، وشكلا واحدًا، وطبقة واحدة. منتهى الضعف والصِغَر أن نرتاح لفكرة أن «الآخرَ» يجب أن يُمحى كى نشعرَ بالأمان. ولهذا، حين يموتُ مَن نختلفُ معه، نسارعُ، بمنتهى المراهقة الأخلاقية الفاضحة، إلى تفسير موته بوصفه «عقابًا»؛ لأننا نحتاج أن نطمئن أن النظام الكونى يعمل لصالحنا!

العقلُ الغافلُ وحده يرى الموتَ انتقامًا، لأنه لا يعرف من الله إلا «المُعذِّب»، ولا يرى من الوجود إلا دفترَ جزاءات. أما القلبُ «العارفُ»، فيرى الموتَ لقاءً بالجمال المطلق، لا محكمةَ عذاب؛ خروجًا من الضيق إلى السِّعَة، لا سقوطًا من حالق؛ نداءً حانيًا من الرفيق الأعلى، لا صفعةَ تنكيلٍ ووعيد. فالإله الذى تحدَّث عنه العارفون، ليس جلادًا، بل حِضنٌ وأمانٌ وسكَن. ليس جلادًا قاسيًا ينتظر زِلّة، بل معنًى رحيمًا ينتظرُ رجوعَ الأوّابين. أما صغارُ النفوس ضِحالُ الفكر فيرسمون لله، حاشاه، صورةً تشبههم: سريعَ الغضب، انتقاميًا، ضيّقَ الصدر.

الذين يشمتون فى موت المختلف معهم لا يعاقبونه فى الواقع، بل يكشفون فزعهم الداخلى ويفضحون جهلهم بفكرة الخلق. يرون الموتَ شُرطيًّا كونيًّا يصفعُ خصومَهم نيابةً عنهم، وبهذا يشوّهون منطق الوجود، ومنظومة الحياة كما أرادها اللهُ تعالى بحكمته وسعته.

وكتابُ التاريخ فى جميع صفحاته يُكذِّب تلك الخرافةَ الساذجة. الأنبياءُ ماتوا، والقديسون ماتوا، العلماءُ والجهلاءُ ماتوا، المُعمّرون والأطفالُ ماتوا، الطيبون والطغاةُ ماتوا، والقتلةُ ماتوا مثلما أماتوا قتلاهم، بعضُهم فجأةً، وبعضهم ببطء، بعضهم على فراشه الوثير، وبعضهم فى حفرة. الموتُ لا يفرّق بين طيب وخبيث، لأنه ليس أداةَ فرزٍ أخلاقى، بل قانونٌ وجودى وحكمةٌ إلهية لا يدرى أسرارَها إلا صانعُها. الفرزُ فى الضمائر، لا فى المقابر.

الخوفُ من الموت ليس رعبًا من الفناء. بل خوفٌ من سقوط السيطرة. الإنسانُ بطبيعته يريد أن يُمسك بكل شىء: تفسيره ومعناه، سببه ونهايته. يريد أن يحوّل الغموضَ إلى معادلة مفهومة، والقدرَ إلى دفتر حساب. والأخطرُ أنه يختزل صورة الإله فى آلية ثواب وعقاب، كأنه تعالى منظومةٌ جزائية لا معنى رحيم حكيم يعلم ما استعصى علينا علمُه. وحين يعجز الإنسانُ عن الإمساك بالموت، يؤدلجه، يربطه بسلوك، يجعله مفهومًا عقابيًّا لا شرطًا وجوديًّا. هكذا يتحوّل الموتُ، فى الوعى الكسول، إلى عصا تُرفع فى وجه المختلف، بدل أن يكون مرآة تُرفع فى وجه الذات.

ربطُ الموتِ بالعقاب ليس موقفًا دينيًا، بل استجابةٌ نفسية عميقة للخوف. الإنسانُ، حين يعجز عن احتمال فكرة أن الوجود أعقدُ من منطقه، وأوسع من فكرته المُبسّطة عن العدالة، يحاول إعادة تشكيل العالم فى صورة بسيطة يمكنه فهمها والسيطرة عليها. فيحوّلُ الكونَ إلى قصة «كارتونية» واضحة: خيرٌ يُكافأ، شرٌّ يُعاقَب، وأحداثٌ لا تقع إلا «لسبب مباشر فورى» بوسعنا استيعابه وتسميته وتداوله وتحويله إلى حكايا سمر.

هذا الجوعُ للطمأنة النفسية يحتاج إلى رسم عالم مُسطَّح تُحسَمُ فيه القضايا الخلافية وتُغلق الأسئلةُ المفتوحة فور طرحها. لأن احتمال أن تظل الحقيقةُ مراوِغةً أصعب من قدرة هذا العقل على الاحتمال. هذا العقلُ الكسولُ يرسمُ سيناريوهاتٍ مريحةً يمكن روايتُها فى جملة عقابية توهمه أن الوجودَ يأتمر بأمره. وهذا يتناقضُ مع لغة الإيمان الدينى، والطرح الفلسفى كذلك. فالحديثُ الشريف يقول إن الأنبياءَ هم «أشدُّ الناس ابتلاءً ثم الأمثل فالأمثل»، أى أن الصلاح لا يُكافأ بالراحة، بل بالثِقَل والهَّمّ وعسر الحياة. كذلك مبدأ «الكارما» لم يتحدث عن عقاب مرئى وصفعة فورية، بل عن توازن أخلاقى قد يتحقق فى أزمنة مختلفة وسياقات لا نراها. توازنٌ يعمل ببطء الكون لا بسرعة الغضب.

أمّا الموت فى التصوف فليس خسارةً، بل استعادةٌ. ليس عقوبةً، بل استردادٌ للوديعة. ليس مَحوًا، بل خروجٌ من ضيق الشكل إلى سعة الحقيقة. نحن لا نخسرُ مَن يموت، نحن نتركه يسبقنا إلى حيث لا خصومة، ولا جدل، ولا شتم، ولا شماتة؛ بل وضوحٌ كامل وإشراقٌ مُتمَّم. أما العقلُ الكسول فيخافُ الموتَ لأنه لا يعرف ماذا يكون بعد الأسماء. يخافُ اللحظة التى يسقط فيها من لقبه، من صورته، من سيرته الذاتية ومكانته الاجتماعية، ليقف عاريًا أمام المعنى وحده.

arabstoday

GMT 05:08 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 05:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

GMT 05:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 04:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المباراة المثالية

GMT 04:58 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

«مجلس ترامب».. أى مستقبل ينتظره؟!

GMT 04:56 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 04:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في سيكولوجيا عقلٍ يرى الموتَ عقابًا في سيكولوجيا عقلٍ يرى الموتَ عقابًا



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 08:57 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير
 العرب اليوم - محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير

GMT 21:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

لطيفة تحيي ذكرى يوسف شاهين بلحظات مؤثرة لا تُنسى
 العرب اليوم - لطيفة تحيي ذكرى يوسف شاهين بلحظات مؤثرة لا تُنسى

GMT 20:38 2026 الأحد ,25 كانون الثاني / يناير

مصر تضبط عالم الأطفال الرقمي بقانون جديد

GMT 08:42 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

قوة إسرائيلية تتوغل داخل الأراضي اللبنانية

GMT 12:01 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

باريس هيلتون تخرج عن صمتها الطويل حيال فيلمها الفاضح

GMT 12:18 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

ياسمين صبري تستكمل فيلم "نصيب" عقب عيد الفطر

GMT 22:16 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

رين يضم سيباستيان شيمانسكي بعقد يمتد حتى 2029

GMT 09:14 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف مناطق متفرقة في قطاع غزة

GMT 08:50 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

مستشفى في الخرطوم بحري يعود إلى العمل بعدما دمرته الحرب

GMT 08:54 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

الدولار يتجه لتسجيل أسوأ أداء أسبوعي في 7 أشهر

GMT 09:10 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

طائرة تقل 238 راكبا أرسلت إشارة استغاثة فوق الصين
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab