بقلم : فاطمة ناعوت
الكلمة ليست موجة شفافة تخرج من أفواهنا، بل كائنٌ حى له قدرات سحرية. بوسعها أن تكون يدًا حانية تربتُ على كتفٍ مُنهك، أو عينًا حمراء تُطلقُ الحممَ فتحرق. بوسع اللغة أن تترك أثرًا بلمسة، أو تترك كدمة تحوّل الحملَ إلى ذئب مسعور. فى أحد لقاءاتى التليفزيونية، وردت على لسانى عبارة «الكرامة الشعرية» فى معرض كلامى عن الحدود الأخلاقية للنقد. وطلبت منى المذيعة شرح المصطلح، فوعدتها بتفنيده فى مقال. أؤمن أن للكلمة «كرامة»، وليس فقط «معنى ودلالة». والشعرية تعنى: القدرة على الشعور بالأثر قبل حدوثه. أى أن يضع المتكلمُ نفسَه مكان الآخر لحظة النطق بالكلمة. وهذا لا يحتاج ثقافة أو بلاغة شعرية، بل ضميرًا حيًّا.
فاللغة ليست محايدة، والاختلاف لا يبرر الإهانة، والنقد لا يمنح صك السحق. وهنا يتجلى الفارقُ بين النبيل والحوشىّ. النبيلُ يرتقى بالكلمة، والحوشى يهبط بها. النبيلُ ينتقد الفكرة دون اغتيال صاحبها، أما السوقى فيروم محوَ الإنسانَ وفكرته. وهنا يطلُّ سؤال: ما الحدُّ الذى إن تجاوزته اللغةُ فقدت أخلاقها؛ وإن ربحت حجتُها؟ هل هناك ميزان يقيس «أثر الكلمات»، على نهج الميزان الفراهيدى الذى يزن «تفعيلات السطر الشعري»؟ ربما، لكن ميزان الأثر أصعب من الميزان الشعرى وأشد تعقيدًا. وحدة القياس ليست الحركة والسكون، بل الضمير. القدرة على أن تترك مقعدك وتجلس على مقعد الشخص الآخر، لتشعر بأثر كلماتك على نفسه وروحه.
أتذكرُ أننى سألتُ ابنى فى طفولته فى بداية عام دراسى عن أصدقائه الجدد. فقال: (أحمد، عمر، عبد الرحمن..) فسألته: (معندكش أصحاب مسيحيين؟)، فقال بحماس طفولى: (بالعكس يا ماما، صاحبى الأنتيم مسيحى، بس طيب أوى) صُعقت من العبارة، فسألته: (لماذا تقول: «بس»؟!) ولم يفهم الصغيرُ مقصدى. فشرحتُ له المعنى اللغوى لـ«لكن الاستدراكية فى اللغة العربية، وفى جميع اللغات. وهى أداة لغوية تُفيد استدراكَ المعنى الأول بمعنىً نقيضٍ له. فما يلى: «لكنْ»، يناقضُ ما قبلها. نقول: عجوزٌ، لكنْ جميلة. نحيفٌ، لكنْ قوى. فقير، لكنْ سخى. فالجمالُ والهِرَم، النحافةُ والقوة، الفقرُ والسخاء، ثنائيات متناقضة، لا يجتمعان فى شخص إلا وفصلت بينهما «لكنْ» الاستدراكية. وفى الدارجة المصرية تعادلها كلمة: (بَس). اندهش صغيرى وهتف: (كل ده فى «بس»؟) وأعلم أنه لم يقصد إساءة، فقد تربّى فى مناخ صوفى نبيل لا يعرف التطرف. بل قالها بحكم ما يسمع من الثقافة الشعبوية. كم مرةً قبضنا على أنفسنا نقول بحسن نيّة: (جارى مسيحى، بس طيب!) أو: (طبيبى مسيحى، بس عنده ضمير!) وربما يقول المسيحيون عنّا نفس العبارات، وأيضًا دون قصد سىء. فهى جزءٌ من موروثنا الشعبوى المترسّب، وعلينا مراجعته. أذكر مقالا كتبه د. «زغلول النجار»، رحمه الله، فى جريدة «الأهرام»، قال فيه (إن الإسلام هو الدين «الوحيد» الذى حرّم الربا!)، ولم ينتبه أنه يجرح ملايين المسيحيين بكلمة. فرددتُ عليه بمقال عنوانه: «الفتنةُ فى مصر، مَن يوقظها؟»، ساردةً آياتٍ من الإنجيل تساوى المُرابى بالمشرك. لعلّه لم يقرأ إلا القرآن! وهو بذلك مسلمُ «وراثة» مثل مليارات البشر الذين ورثوا عقائدهم عن آبائهم دون فضل لهم ولا اختيار، ثم ينقلبون شرسين عُتاةً يدافعون عن إرثهم، ناهشين لحوم ورثة الإرث المخالف!.
الكرامةُ ليست فكرةً أخلاقيةً، ولا شعارًا على لافتة، بل هى فعلٌ لغوى، ونبرةُ صوتٍ، وطريقةُ نظرٍ إلى الآخر. هنا تصير اللغة امتحانًا للأخلاق. «الكرامة الشعرية» هى أن تختار الدقّة والرقّة بدل الفوضى والقسوة، والاختلافَ بدل الاغتيال. هى أن تكتب أو تتكلم دون أن تُسفك روحًا على الورق. هى الوعى المثقف بأن اللغة، كالسكين: يمكن أن تُعدّ الطعام أو تجرح الجسد.
فى ضجيج السوشيال ميديا، صار الصوت الأعلى شجاعةً، والتجريحُ نقدًا. هنا تحديدًا تُصبح «الكرامة الشعرية» فعلَ مقاومة. مقاومةُ لابتذال اللغة، وتحويل البشر إلى ناشنكان نصوّبُ نحوه رصاصَنا بالتراشق اللفظى. الكرامة الشعرية لا تعنى تلطيف الحقيقة، بل قولها دون نزع رداء الإنسانية. الكرامة الشعرية هى الفصل بين الفعل وصاحبه. أن تُدين الخطأ ولا تسحق المخطئ. أن تُسمّى القبح قبحًا، بشرط ألا تتورط فى القبح. هى القدرة على أن تكون حادًّا لا سوقيًا، غاضبًا لا همجيًا، ناقدًا لا جلادًا. فحين نحترم المختلف، نكون قد منحنا اللغة شرفَها وكففنا عن استخدام اللغة كعقوبة. الكرامة الشعرية تظهر فى حديثنا عن المرأة، عن الطفل، عن الآخر العقدى، عن المتوحّد، عن المهزوم، وعن المخطئ أيضًا. ليست الكرامة الشعرية ترفًا ثقافيًا، بل هى أخلاق الحديث والكتابة والحياة. أن تترك للآخر مساحة ليتنفس، وأنت تختلف معه، لأنه لحم وروح، لا جماد.
«الكرامة الشعرية» هى حماية الحوار من الإذلال، واللغة من الابتذال، والإنسان من السحق، والذات من التورط فى الوحل. ولهذا فهى أصعب أشكال الكرامة.