الاختلافُ وفنُّ بناء الجسور ٢

الاختلافُ... وفنُّ بناء الجسور (٢)

الاختلافُ... وفنُّ بناء الجسور (٢)

 العرب اليوم -

الاختلافُ وفنُّ بناء الجسور ٢

بقلم: فاطمة ناعوت

فى مقال الخميس الماضى، تحدثنا عن «الاختلاف» بوصفه مصدرَ ثراءٍ لا مصدرَ تهديد، وعن المجتمعات التى تزدهر كلما اتسعت فيها مساحة التنوُّع، وتذبلُ كلما ضاقت حتى تختنق داخل قالبٍ واحد. لكن يبقى السؤال الأصعب: كيف نبنى الجسور بين المختلفين؟ وكيف نعيش (لا أحب كلمة: «نتعايش»، لأنها توحى بقبول قسرى على مضضٍ) مع مَن لا يشبهوننا فى الفكر أو العقيدة أو الرؤية أو الذائقة؟

لعل أول ما ينبغى إدراكه: أن الجسر ليس دعوةً إلى الذوبان فى الآخر. كثيرون يرفضون الحوارَ؛ لأنهم يتوهَّمون أن الإصغاء إلى الرأى المخالف تنازلٌ عن قناعاتهم، وأن الاعتراف بحق الآخر فى الوجود اعترافٌ بصواب كل ما يؤمن به. والحقيقة أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك.

الجسور، أصلا، لا تُبنى بين ضفتَين متشابهتَين. ولو كانتا متشابهتَين لما احتجنا إلى جسر من الأساس. إنما تُبنى الجسورُ لأن هناك مسافةً تفصل بين طرفين مختلفين. والجسورُ لا تلغى تلك المسافة، بل تجعل عبورها ممكنًا، ولا تذيب الضفتَين فى كتلةٍ واحدة، بل تحافظ على خصوصيَّة كل منهما، وتسمح فى الوقت ذاته بالتواصل بينهما.

حين درستُ العمارة فى كليَّة الهندسة، تعلمنا أن من أسوأ نماذج التخطيط العمرانى ما يُعرَف بـ«عمارة عُلب الكبريت» Matchbox Architecture، حيث تتكرر البناية ذاتها مئات المرات حتى تفقد المدينة روحها وفرادتها وشخصيتها. فالتكرار النمطى لا يقتل الجمالَ فحسب، بل يطمس الشخصيَّة ويُهدر التنوع ويُذيب الفردانيَّة. أما المدينة الجميلة، فتقوم على ما يسميه المعماريون: «الوحدة داخل التنوع» Unity within Diversity. حيث تختلف البيوت والميادين والحدائق ودور العبادة والمتاحف فى الشكل والوظيفة والهُويَّة، لكنها تنتظم فى نسيج متناغم يمنح المدينة شخصيتها الفريدة. وكذلك المجتمعات البشريَّة. فالوحدةُ لا تعنى أن نصبح نسخًا متطابقة من بعضنا بعضًا، بل أن نتعلم كيف نعيش معًا، مختلفين ومتجاورين ومتواصلين، دون أن يفقد أىٌّ منَّا أصالته وفرادته، وحقه فى أن يكون نفسه.

ولعل أزمة عصرنا أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يفرِّقون بين الرأى وصاحبه. فإذا اختلفتَ مع فكرةٍ ما، اعتبر صاحبُها أنك تعاديه شخصيًّا. وإذا اعترضتَ على توسَّل عقيدة فى إقصاء الآخر أو الانتقاص من حقه، ظنَّ أنك تهاجم العقيدة ذاتها. وهكذا يتحول الحوار إلى معركة، والاختلاف إلى خصومة وبغضاء. الواثق لا يخشى الاختلاف. فهو يعلم أن أفكاره ليست أوانىَ زجاجيَّةً هشةً تتحطم إذا لامسها رأىٌ آخر. أما المتذبذِب فيبنى حول نفسه أسوارًا عالية، يظن أنها تحميه، بينما هى تحبسه داخل عالمٍ منغلقٍ لا يرى فيه إلا صورته منعكسةً على الجدران.

بناء الجسور يبدأ من فضيلةٍ: التواضع المعرفى. فكلما اتسعت معرفةُ الإنسان، أدرك أن ما يجهله أكبر ممَّا يعلمه. أما ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة، فغالبًا ما يكون ابنَ الجهل، لا ابنَ الثقافة والحكمة. حين نتصور أننا نعرف كلَّ شىء، نغلق أبواب الحوار. أما حين ندرك أن الحقيقة أوسع من أن يحيط بها عقلٌ واحد، نصبح أكثر استعدادًا للإصغاء، إيمانًا بأن كل إنسان يرى المشهد من زاوية مغايرة. ولهذا كانت وتظلُّ القراءةُ واحدةً من أرقى مدارس التعاطف الإنسانى.

الحضارة الإنسانيَّة لا تحتاج إلى تشييد الأسوار، بل إلى مد الجسور. تحتاج إلى معادلة win-win حيث ينتصرُ الجميعُ فى فضاء لا غالبَ فيه ولا مغلوب. فالأفكار تزدهر بالحوار، والعقول تنضج وتثرى بالاختلاف، والإنسان يكتشف حدود معرفته كلما اقترب من معرفة الآخرين.

الجسرُ لا يطلب من العابر التخلِّى عن ضفّته. فالعبور إليك لمصافحتك لا يُفقدنى هُويتى ولا يجعلنا أشباهًا. نلتقى، نتبادل الرؤية والخبرة والمعرفة، ثم يعود كلٌّ منا إلى ضفته أكثر فهمًا للآخر، وأكثر فهمًا لنفسه. تلك هى المهمة الحقيقيَّة للجسور: ألا نتطابق بل نغدو أكثر إنسانيَّة وتحضرًا ورقيًّا. أن تفتح أبواب الفهم ونغلق نوافذ الشك، فنمتلك القدرة على رؤية العالم بعيون متعددة لا بعينٍ واحدة.

فحين نتعلمُ فنَّ الإصغاء، لا نخسرُ أصواتنا، بل نُثريها بأصداء جديدة. فيغدو اللحنُ المنفرد سيمفونيَّةً ثريَّةً متعددة الطبقات، لا يذوبُ فيها الفردُ بل يتأكد ويجد مكانه. وحين نحترم حقَّ الآخرين فى الاختلاف، لا نُضعف قناعاتنا، بل نصقلها بأن نمنحها فرصةَ أن تُختَبر وتَنضج وتتجدد. وفى النهاية، علينا الاعترافُ بأن الاختلافَ حقيقةٌ إنسانيَّة لا يمكن إلغاؤها، بل لا ينبغى إلغاؤها، لأن إلغاءها فقرٌ وهدمٌ لفكرة الخلق. أما الخيار الذى نملكه فهو: هل نحول هذا الاختلاف إلى جدران تفصل بيننا، أم إلى جسور تقرِّب المسافات؟ ذلك هو السؤال الذى يحدد مستقبلَ المجتمعات، وربما مستقبلَ الإنسانيَّة كلها. فالمجتمعاتُ لا يُقاس تحضُّرها بعدد ما تبنيه من أبراج يسكنُها أبناؤها، بل بعدد ما تمدُّه من جسور تصلُ بين أبنائها.

arabstoday

GMT 07:39 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

اللّيطاني يحوِّل لبنان… الضاحية أو دبي

GMT 07:35 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

كيف يفكّر جوزف عون؟

GMT 07:32 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

المراهنة على خلافاتهم وهْم كبير

GMT 07:28 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

لماذا يختبىء المسؤول خلف مصدر!

GMT 06:50 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

قسطنطين كفافي بين مصر واليونان

GMT 06:43 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

أي إيران وأي عراق وأي إسرائيل

GMT 06:34 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

ليس كمثله يوم

GMT 06:32 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

ليس رئيسًا بل علامة تجارية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاختلافُ وفنُّ بناء الجسور ٢ الاختلافُ وفنُّ بناء الجسور ٢



صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي - العرب اليوم

GMT 03:53 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة
 العرب اليوم - بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة

GMT 04:19 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

ميتا توسّع أدوات تخصيص المحتوى حسب الاهتمامات
 العرب اليوم - ميتا توسّع أدوات تخصيص المحتوى حسب الاهتمامات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab