مقامُ السؤال أثرُ الفراشة

مقامُ السؤال... أثرُ الفراشة

مقامُ السؤال... أثرُ الفراشة

 العرب اليوم -

مقامُ السؤال أثرُ الفراشة

بقلم: فاطمة ناعوت

عنوان المقال هو «المصافحةُ الأولى» بين الكاتب والقارئ. هو «العتبةُ الأولى» للنص كما يخبرنا «جيرار جينيت» فى كتابه Seuils، أن «العتبات»، مثل العناوين ليست زينة، بل هى برازخُ تربط العالم الخارجى بعالم النَّص، فتحوله إلى فضاء يتفاعل معه الجمهور. فالنصُّ فى أى كتاب، لا يبدأ من الجملة الأولى، بل يبدأ من العنوان، واسم الكاتب، والغلاف، والإهداء، والمقدمة، وكل ما يستقبل القارئ قبل أن يلتقى بالنص.

ولذلك دائمًا ما أتعامل مع عنوان المقال كما يتعامل المهندس مع مدخل البناء. فالمدخل ليس تفصيلًا معماريًا، بل هو أول ما تقع عليه العين، وأول ما يترك انطباعًا، وأول ما يدعو الزائر إلى الداخل أو يصرفه عنه. وربما يكون آخر ما يستقر فى ذهن القارئ ويحتلُّ وعيه، ويبقى.

لهذا أفكر هذه الأيام فى أن يحمل عمودى فى جريدة «المصرى اليوم»، الذى يصافحكم مرتين أسبوعيًّا يوميْ: الاثنين والخميس، عنوانًا ثابتًا. عنوان يسبق المقال، ويسبق عنوانه، ويصاحب قلمَ كاتبته، ويرافق القارئ تمهيدًا وامتدادًا، حتى يصل إلى الكلمة الأخيرة فى النص.

وأنا أفتش عن عنوان جديد لعمودى هذا، عادت إليّ عناوينُ قديمة رافقت مقالاتى وأعمدتى فى صحف ومجلات عديدة. «خلسة المختلس» فى مجلة «نصف الدنيا»، حين كنت أفتش عما نختلسه من وعى فى لحظات الدهشة. «ريشة» فى جريدة «الشرق القطرية»، وفى صحيفة «العرب اللندنية»، حيث الكلمة ترسم المعنى كما ترسم الريشةُ اللوحة، وتحلّقُ فى الآماد مثلما يحلّق الطائر بريش جناحيه. «بالطباشير» فى جريدة «الوقت البحرينية»، حيث ولعى بالطبشور الذى علّمنا فى سِنى أعمارنا الأولى فى فصول المدرسة. «زهرة» فى «أخبار الأدب» حيث الكلمات كما الزهور، تضوى بعطرها وشذى أفكارها. «كلمة» فى «مبتدا»، و«رؤية» فى صحيفة «الرؤية العُمانية»، وغيرها من العتبات الأوَل التى عنونت أعمدتى بعديد الصحف العربية والمصرية، والتى لم تكن أسماءَ فحسب، بل محطات عُمر وحياة. لكل عنوان رائحة زمن، ولكل عنوان صورة من صور المرأة التى كنتُها وأنا أكتبه.

اليوم، وأنا أفكر فى عتبة لعمودى بجريدة «المصرى اليوم»، احترتُ بين عنوانين: «مقامُ السؤال»، و«أثرُ الفراشة». وقلتُ: ولماذا لا أستشير أصحاب الحق الأصيل؟ قرائى الذين رافقونى سنوات، وانتقلوا معى من صحيفة إلى أخرى، ومن كتاب إلى آخر، واحتملوا شغفى بالأسئلة، أكثر مما احتملوا أجوبتى.

«مقامُ السؤال»: المقام ليس مكانًا، بل مكانةً ومنزلة. فالسؤال ليس انفعالا، بل بيتٌ نسكنه. وعلاقتى بالسؤال لم تبدأ مع الفلسفة والأدب، والهندسة، بل بدأت فى طفولتى التى لم تكف عن مساءلة الكبار. أين يذهب النهار حين يأتى الليل؟ لماذا لا تتحدث الأشجار؟ كيف يعرف العصفورُ طريقه إلى عُشه فى فضاء بلا شوارع؟ لماذا نتألم؟ وكانت الأسئلة لا تنتهى بإجابات بل تولّد مزيدًا من الأسئلة؛ حتى كانت أمى وقد أعياها الإرهاق، تقول: «بنتى اللمضة!». تقولها حينًا بضجر، وحينًا بابتسامة تشبه الفخر. حتى أننى، وحتى اللحظة، لا أدرى: هل نعتُ: «لمضة» مدحٌ أم ذمٌّ؟ لكننى أدرى شيئًا واحدًا؛ أننى ما زلت تلك الطفلة التى تعتقد أن السؤال ليس دليل نقص، بل دليل حياة. فلو كفّتِ البشريةُ عن السؤال، ماتت. تاريخ البشرية كله يُختصر فى سؤال. الفلسفة لم تبدأ إلا حين سأل الإنسان سؤالا. ولا بدأ العلمُ إلا حين شكّ العلماءُ فى الإجابات الجاهزة. وحبيبُنا «سقراط» لم يُلق على الناس الخطب، بل حاورهم بالأسئلة وهم يمشون فى الطرقات. فالسؤال يوقظ الحقائق النائمة فى العقل. وأما الأجوبة النهائية، فوهمٌ لا وجود له. ولعل أخطر ما يصيب العقلَ ليس الجهل، بل الاطمئنانُ الكامل إلى أنه لم يعد فى حاجة إلى أن يسأل.

أما «أثر الفراشة»، فله سحر آخر. إذ يستدعى الفكرة العلمية الشهيرة التى أطلقها عالم الأرصاد «إدوارد لورنز»، حين التغيرات الصغيرة فى بداية أى نظام معقد قد تؤدى، مع الزمن، إلى نتائج هائلة. وحيث رفّة جناح فراشة قد تكون بداية إعصار عاصف، فى مكان بعيد. يُحيلنا هذا إلى حقيقة مدهشة: لا شيءَ صغيرٌ فى هذا الكون. كلمةٌ قد تغيّر مصير إنسان. ابتسامةٌ قد تمنح قلبًا يائسًا سببًا للحياة. مقالٌ لن يغيّر العالم، لكنه قد يغيّر قارئًا، والقارئ قد يغيّر طفلًا، والطفل قد يغيّر العالم. هكذا تمضى الحياة. لا بالصخب بل برفيف الأجنحة التى لا يسمعها أحد.

شخصيًّا أميل إلى العنوان الأول. فأثرُ الفراشة هو «الثمرة»، بينما السؤالُ هو «البذرة». كل أثر عظيم بدأ بسؤال. وأحسبُ أننى، طوال رحلتى مع الكتابة، لم أكن صاحبة إجابات، بل رفيقة سؤال. فالكاتب، لا يملك الحقيقة، وإنما يملك شجاعة البحث عنها.

arabstoday

GMT 05:30 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

بقلم صاحب التوقيع

GMT 05:29 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الشوالي يحدثنا عن إنجاز عربي مونديالي

GMT 05:27 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

رجوع لبنانَ إلى أهله

GMT 05:25 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

زمن التلاعب بالاستقلال

GMT 05:23 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

إنه «اتفاق إطار»... لبدء مفاوضات شاقة

GMT 05:20 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

المونديال... أميركا من الهامش إلى الواجهة

GMT 05:18 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الجغرافيا الاقتصادية... ساحة الصراع الكبرى

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مقامُ السؤال أثرُ الفراشة مقامُ السؤال أثرُ الفراشة



كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - العرب اليوم

GMT 07:27 2026 الجمعة ,26 حزيران / يونيو

أبوظبي ثامن أكثر مدن العالم ترحيبًا بالزوار

GMT 18:05 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

مصرع 11 شخصا في تحطم طائرة مدنية شرقي فرنسا

GMT 16:18 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

عواصف قوية تخلف قتيلا وأضرارا واسعة في بلجيكا

GMT 01:37 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

ارتفاع حصيلة ضحايا زلزال فنزويلا إلى 1450 قتيلًا

GMT 06:07 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

زلزال بقوة 5.29 درجة يضرب منطقة سيتشوان الصينية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab