إعدامُ أسير ثقبٌ في ضمير العالم

إعدامُ أسير.. ثقبٌ في ضمير العالم

إعدامُ أسير.. ثقبٌ في ضمير العالم

 العرب اليوم -

إعدامُ أسير ثقبٌ في ضمير العالم

بقلم: فاطمة ناعوت

مجرد التلويح بقرار إعدام الأسرى الفلسطينيين، لا يضعنا أمام خلافٍ سياسى، بل أمام جرمٍ مريع يمسُّ ثوابتَ الضمير الإنسانى، التى استقرّت بعد حروبٍ دفعت البشريةُ فواتيرها دمًا وخرابًا وويلاتٍ. ففكرة «الأسير» فى القانون الدولى لم تُنشأ لتجميل وجه الحروب، فهو قبيح فى كل حال، بل لتقييد آماد الغلواء فيها، لتذكير المتحاربين بأن هناك حدًا لا يجوز اختراقه، مهما اشتدّ الصراع. ففى قلب الجحيم، يجب أن تظل للإنسان حرمة.


الاتفاقية الثالثة، من اتفاقيات جنيف، الخاصة بأسرى الحرب، والتى أُقرّت بعد ويلات الحرب العالمية الثانية، تحدد أن الأسرى أشخاص أصبحوا «خارج دائرة القتال»، فاقدى السلاح والقدرة على المقاومة، وبالتالى يكتسبون حماية قانونية كاملة. هذه الحماية لا تقتصر على منع تعذيبهم أو إهانتهم، بل تمتد لتشمل الحق فى الحياة بكرامة داخل معسكرات الاحتجاز، مع توفير الغذاء والرعاية الطبية والزيارات. ولا يجوز تعريض الأسير لأى عقوبة دون محاكمة عادلة تستوفى كافة الضمانات القانونية. وأثناء الاستجواب، لا يُجبر على الإدلاء إلا بمعلومات أساسية كالاسم والرتبة والرقم العسكرى، ولا يجوز تعذيبه لاستخلاص معلومات.

كل ما سبق ثابتٌ لا فصال فيه. غير أن الموضوعية تقتضى التمييز بين الوقائع وصدمة الشائعة. فالمتداول فى الفضاء العام عن «قرار إعدام الأسرى»، لا يعكس الصورة القانونية الدقيقة. فما أُقرّ داخل الكنيست الإسرائيلى هو تشريع يفتح الباب أمام فرض عقوبة الإعدام فى حالات محددة متورطة فى أعمال العنف، وليس قرارًا فوريًا بإعدام جماعى عشوائى للأسرى، كما أُشيع. تلك المسافة بين الحقيقة وصداها الإعلامى ليست تفصيلًا هامشيًا، بل هى جوهرُ المسألة. لأن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط فى تنفيذ الإعدام، بل فى تقنين إمكانيته، أى تحويله من فعل استثنائى مُدان إلى خيار قانونى مشروع. وفى خضمّ هذا التحليل، ينبغى ألا ننسى ما شهدته غزة من مجازر عمياء ارتكبها الاحتلال الصهيونى، فالنقاش ينعقد فوق أرضٍ مثقلةٍ بالدم والضحايا.


غير أن الدم لا يُطفئ السؤال الأخلاقى، بل يشعله: فحين يصبح إعدام الأسير احتمالًا؛ فإن الحماية التى كرّستها «اتفاقيات جنيف» تتعرّض لتآكلٍ تدريجى، عبر «شرعنة الاستثناء». فالقوانين لا تُهدم دائمًا بقرارات صاخبة، بل أحيانًا بنصوصٍ «منضبطة» ظاهريًا، تُبقى الشكلَ وتفرِّغ المضمون، وهذا أخطر.

وليس هذا فحسب؛ فالقانون الدولى لا يعترف بمنطق «الانتقام» كذريعة للفُجر فى الخصومة. فلا يجوز لدولةٍ أن تُبرّر إعدام الأسرى ردًا على أفعالٍ سابقة، أو بدعوى الردع. فالقانون وُضع تحديدًا ليكبح هذا المنحدر الأخلاقى، الذى إن فُتح بابُه، تحوّلت الحروبُ إلى مذابحَ فوضويةٍ لا قيود لها ولا أخلاق. وثمّة بُعدٌ «نفسىٌ» آخر لا يقل خطورة. ذاك أن إعدام الأسرى لا يهدد الضحايا المباشرين وحسب، بل يهدد فكرة «الأَسْر» ذاتها. فإذا فقد المقاتلُ ثقتَه فى أنه سيُعامل بكرامة كـ«أسير حرب» إن استسلم، فسوف تزداد وحشية المعارك، وتتسع دوائرُ الدم. هكذا يتحول خرق قاعدة واحدة إلى سلسلة من الانهيارات الأخلاقية والقانونية.

الأهمُّ والأخطر من وجهة نظرى، هو أن المسألة لا تتعلق وحسب بنصوصٍ قانونية، بل بفلسفةٍ كاملة تأسست عليها فكرة «الإنسان» فى العصر الحديث. فبعد كوارث القرن العشرين، لم تعد الحياةُ حقًا تمنحه الدولةُ أو تمنعه، بل هى قيمةٌ عُليا لا يجوز مسّها إلا وفق إجراءاتٍ قانونية وأخلاقية بالغة الصرامة والتعقيد. والأسير هو الاختبار الأصعب لتلك الفلسفة: هل نحمى الإنسانَ حين يكون أعزلَ، أم نعيد تعريفه وفق ميزان القوة والسلطان؟.


يخبرنا التاريخُ أن الانحدارَ دائمًا ما يبدأ بخطوةٍ صغيرة تُبرَّر بالضرورة أو الاستثناء. ثم لا يلبث الاستثناءُ أن يتحول إلى قاعدة، وتصبح القسوةُ عادةً، ويبهتُ الحسُّ الأخلاقى شيئًا فشيئًا. لذلك، فإن الصمتَ على فكرة إعدام الأسرى لا يعنى فقط قبول انتهاكٍ راهن، بل تمهيد الطريق لانتهاكاتٍ أوسع فى المستقبل. والمسألة تتجاوز أطراف الصراع لتطال النظام الدولى برمّته. فإذا تآكلت القواعدُ التى تنظّم الحروب، فإننا نعود إلى «قانون الغاب»، حيث لا معيار إلا القوة والغَلَبَة، ولا حماية إلا لمن يملكهما. وحينها، لن يكون أيُّ إنسان، فى أى مكان، بمنأى عن أن يصبح «أسيرًا بلا حقوق».


إن الدفاع عن حقوق الأسرى الفلسطينيين ليس مجرد موقف سياسيّ، بل هو دفاع عن الحد الأدنى من إنسانيتنا المشتركة. فالقانون الدولى لم يُكتب لينحاز لهذا الطرف أو ذاك، بل ليحمى «الإنسانَ» حين يصبح فى أضعف حالاته: أعزلَ، مقيّدًا، فى قبضة خصمه. وفى النهاية، يبقى السؤالُ معلقًا فوق ضمير العالم: هل نسمح بأن يُعاد تعريف الأسير من «إنسانٍ تحت الحماية» إلى «هدفٍ مستباح»؟ إذا حدث ذلك، فلن يكون الضحايا هم الأسرى وحدهم، بل العدالة والضمير.

arabstoday

GMT 07:42 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

حقد إيران على الجامعة الأميركيّة

GMT 07:40 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

يكذبون علينا ونصدقهم!

GMT 07:35 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 07:33 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

وَلَكِنَّمَا وَجْهُ الكَرِيمِ خَصِيبُ

GMT 07:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 07:22 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 07:18 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 07:14 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إعدامُ أسير ثقبٌ في ضمير العالم إعدامُ أسير ثقبٌ في ضمير العالم



GMT 10:14 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

إلهام شاهين تتمنى التعاون مع يسرا في رمضان 2027
 العرب اليوم - إلهام شاهين تتمنى التعاون مع يسرا في رمضان 2027

GMT 05:10 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

سقوط شظايا على مبنى شركة "أوراكل" في دبي

GMT 13:59 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مبيعات "تسلا" خلال الربع الأول أقل من التوقعات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab