الاختلافُ وفنُّ بناء الجسور 3

الاختلافُ.. وفنُّ بناء الجسور (3)

الاختلافُ.. وفنُّ بناء الجسور (3)

 العرب اليوم -

الاختلافُ وفنُّ بناء الجسور 3

بقلم: فاطمة ناعوت

فى المقالين السابقين تحدثنا عن «الاختلاف» بوصفه مصدرًا للثراء لا للتهديد، وعن الجسور التى تسمح للمجتمعات بأن تعيش معًا بتحضُّر، دون أن تتشابه. لكن يبقى السؤال الأهم: مَن الذى يبنى هذه الجسور ويحافظ عليها؟ قد يبدو لأول وهلة أن بناء الجسور مهمة السياسيين أو الُمشرّعين أو المؤسسات الكبرى. لكن الحقيقة أن الجسور لا تُشيّد بقرار سيادى، بقدر ما تبدأ بفكرة. وكل فكرة تبدأ من كلمة. والكلمة، أى «حوار العقول»، ليست إلا تعريفًا حقيقيًّا للثقافة.

لهذا لم تكن الثقافة يومًا ترفًا اجتماعيًّا تُمارسه النخبةُ فى أوقات الفراغ، بل هى إحدى أدوات البقاء الحضارى. فالمجتمعات لا تتماسك بالقوانين وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، ولا حتى بالمصالح المشتركة وفقط. بل تتماسكُ بوجود: «قصةٍ» كبرى يشعر الناسُ أنهم جزءٌ منها، و«ذاكرةٍ» مشتركة تمنحهم الإحساسَ بالانتماء، و«خيالٍ» جماعى يسمح لهم بأن يروا مستقبلهم معًا. من هنا تأتى قوةُ الأدب والفن. فالرواية لا تقدم حلولًا سياسية، لكنها تمنحنا شيئًا لا يقلُّ أهمية: القدرة على أن نرى العالم بعيون الآخرين. وحين يستطيع الإنسانُ أن يتخيل حياة غيره، يصبحُ أقل ميلًا إلى الكراهية وأكثر استعدادًا للفهم.

كم من قارئ خرج من رواية وهو يحملُ قلبًا أقل قسوة مما دخل به إليها؟ وكم من متفرج غادر قاعة السينما وهو يفهم إنسانًا كان يظنه غامضًا مريبًا؟ قصة واحدة قد تفعل ما تعجز عنه عشرات الخطب والمحاضرات، لأنها لا تخاطب العقل وحده، بل تصل إلى تلك المنطقة العميقة التى تتشكل فيها المشاعر والأحكام والانطباعات. لهذا تظلُّ القراءةُ، فى جوهرها، تمرينًا على التعاطف. فالقارئ لا يقتلُ الوقتَ، بل يضيف إلى عمره أعمارًا أخرى، ويعيش داخل تجارب لم يعرفها بنفسه. وكل حياة إضافية نعيشها عبر الفن تقلل من خوفنا من «المختلف»، وتوسعُ حدود إنسانيتنا.

حين نتأمل تاريخ الحضارات الكبرى، نكتشف أن ازدهارها لم يكن نتيجة التفوق العسكرى والاقتصادى وحسب، بل بسبب قدرتها على استقبال الأفكار المختلفة ومحاورتها وتمحيصها، ثم اختيار ما يثرى تجربتها الإنسانية. فالحضارة الواثقة من نفسها لا تخشى الحوار، لأنها لا ترى فى الاختلاف تهديدًا لهُويتها، بل فرصة لتجديد حيويتها. أما المجتمعات التى تفزع من كل رأى مختلف، فإنها تشبه بيتًا يُغلق نوافذه خوفًا من الريح، فيحرم نفسه من الهواء والنور معًا.

ولعل أجمل ما تُعلمه الثقافةُ للإنسان أنها تحرّره من «وهم امتلاك الحقيقة الكاملة”. فكل كتاب جيد هو تذكيرٌ بأن العالمَ أوسعُ مما نعرف، وكلُّ عمل فنى رفيع هو دعوةٌ إلى النظر من زاوية غير مطروقة. وهكذا لا يصبح الحوارُ تنازلًا عن القناعات، بل سعيًا دائمًا إلى توسيعها وتعميقها. هذا ما يجعل الثقافةَ قوةً ناعمة حقيقية. فمكانات الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه الدولُ من مواردَ ونفوذٍ، بل أيضًا بما تضيفه إلى خيال العالم ووجدانه. فحين يقرأ الناسُ رواية من بلد ما، أو يشاهدون فيلمًا من إنتاجه، أو يستمعون إلى موسيقاه، فإنهم لا يتعرفون إلى منتجاته الثقافية فحسب، بل يتعرفون إلى روحه وضمير شعبه. ولهذا تبدو مسؤولية الثقافة اليوم أخطر من أى وقت مضى. فنحن نعيش عصرًا تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، بينما يتوارى التأمل وتخفت الحكمة. فلم يعد التحدى هو الوصول إلى المعرفة، بل التمييز بين المعرفة والضجيج، بين الحقيقة والعصبية، وبين الحوار والصراخ.

لا شك أن وسائل الميديا قد منحت ملايين البشر فرصة غير مسبوقة للتعبير عن آرائهم والتواصل عبر الحدود والثقافات. لكن تلك المنصات صارت غرفًا مغلقة لا يسمع فيها الإنسان إلا أصداء صوته. فالعالم الرقمى القادر على جمع الناس حول الاهتمامات المشتركة، عجز عن تدريبهم على الإصغاء لمن يختلفون معهم. ومن هنا تصبح التربية على التفكير النقدى، واحترام التنوع، والقدرة على النقاش الهادئ، ضرورةٌ ثقافية لا تقل أهمية عن التعليم الأكاديمى. تقفُ الأجيالُ الجديدة اليوم أمام اختبار مختلف لم تعرفه الأسلافُ. فهى أول أجيال فى التاريخ تحمل العالم بأسره داخل شاشة أصغر من كف اليد. وهذا امتيازٌ هائل، ومسؤولية هائلة أيضًا. فالتكنولوجيا تقرّب المسافات، لكنها لا تخلق الفهم. تربط الناس بالشبكات، لكنها تعجز عن ربط عقولهم وأرواحهم. لهذا أعتقد أن السؤال الأهم الذى سيواجه المستقبل ليس: كيف نصنع مزيدًا من التكنولوجيا؟ بل: كيف نصنع الحكمة الإنسانية القادرة على توجيهها؟ فالمجتمعات لا تنهار حين تختلف، بل حين تفقد القدرة على إدارة اختلافها. ولا تزدهر حين يتشابه أبناؤها، بل حين يتعلمون أن يحولوا التنوّع إلى طاقة نهوض مشترك، يُثرى الحوار ويزهرُ الإنسانية ويُعلى الحكمة ويرقّق القلوب ويقلل الصراعات. كم نتوقُ إلى عالمٍ لا يخشى الاختلاف، بل يُحسن الإصغاء، فيحوّل التنوعَ إلى جسورٍ للفهم، لا متاريسَ للخصام.

arabstoday

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 04:08 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 04:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 04:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 03:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 03:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاختلافُ وفنُّ بناء الجسور 3 الاختلافُ وفنُّ بناء الجسور 3



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم
 العرب اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab