من يُطفئ النار أولاً

من يُطفئ النار أولاً؟

من يُطفئ النار أولاً؟

 العرب اليوم -

من يُطفئ النار أولاً

بقلم: جمعة بوكليب

الأدبُ الجيّد عابرٌ للأجيال والزمن. روايةُ الكاتب الأميركي جوزيف هيلر المعنونة «كاتش-22» صدرت عام 1961، إلا أنّها تبدو كأنها كُتبت اليوم. ربما لأنها تناولت موضوعاً ظلّ على مرّ الزمن ثابتاً لا يتغير في طبيعته، وإن اختلفت وسائله وأدواته: الحروب.

عبارةُ «كاتش-22» (المصيدة أو العقدة) أضحتْ مقولة مشهورة تردد من قبل كثيرين حتى من دون أن يعرفوا مصدرها. العبارة نحتها الكاتب هيلر لتجسيد قاعدة عسكرية وهمية اسمها «القاعدة 22» كانت تتداول بين الجنود والضباط في قاعدة جوية أميركية تقع في جزيرة بالبحر المتوسط إبّان الحرب العالمية الثانية. تنصُّ القاعدة على أن الجندي الذي يطلب إعفاءه من المهمات القتالية الخطرة بعذر الجنون يُعدّ عاقلاً، وبما أنه عاقل فلا يمكن إعفاؤه. فصار الاسم مرادفاً لكل وضع محكوم بالتناقض الدائم، حيث تمنع شروط الحلّ من الوصول إلى الحلّ نفسه.

بطلُ الرواية (جون يوساريان) ضابط برتبة نقيب متخصص في توجيه القنابل خلال الطلعات الجوّية، وكان على وشك انتهاء مدة خدمته العسكرية. ومن خلال الملاحظة تبيّن له أن رؤساءه من كبار الضباط كانوا يحرصون على إرسال من أوشكت مدة خدمتهم على الانتهاء، أكثر من غيرهم، في مهام قتالية خطرة. فتقدم بطلب لإعفائه من الطلعات القتالية بحجة أنّه مجنون. فقيل له إن طلبه الإعفاء دليل على عدم جنونه؛ أي إنه اصطدم بمعضلة «كاتش-22». استحالة الإعفاء اضطرته إلى البحث عن وسيلة للهروب، وانتهى به المطاف لاجئاً في السويد.

كثيراً ما يلجأ المعلقون في هذه الأيام إلى استعارة مقولة «كاتش-22» للتدليل على انسداد أزمة. المقولة لا تفسر أسباب الأزمة؛ بل تقتصر على وصف الشكل المنطقي لها. التناظر الشكلي بين الشروط المتقابلة لا يعني بالضرورة تكافؤاً في القوة، أو في العدالة بين الأطراف المعنية.

تعدّ الأزمة الليبية -في رأيي- من أفضل التجسيدات للمقولة (كاتش 22)؛ فمنذ وقت مبكر من اندلاعها وقف الخصوم أمام حائط سؤال: أيهما يأتي أولاً؟ الاستفتاء على مسوّدة الدستور؟ أم عقد انتخابات نيابية ورئاسية؟ والنتيجة تواصل الأزمة، واستمرار دمار البلاد وإنهاك العباد. في الآونة الأخيرة، ظهر على الإنترنت طلب مقدم من مكتب محاماة مشهور إلى المحكمة الدستورية العليا للنظر في حل المعضلة من خلال تجاوز الاستفتاء الشعبي على الدستور، والاحتكام إلى موافقة ثلثي أعضاء اللجنة المكلفة بوضع المسوّدة الدستورية.

يمكن الاستشهاد كذلك بالأزمة بين روسيا وأوكرانيا وحلفائها الغربيين؛ فلكي تقبل موسكو بالتفاوض لإنهاء الحرب، تشترط أولاً تسليم ما تبقى تحت سيطرة كييف من إقليم دونباس، في حين ترفض أوكرانيا هذا الشرط كلياً وتصر على بدء التفاوض دون أي تنازل عن أي شبر من أراضيها، وتطالب بعودة ما اقتطعته موسكو من أراضيها.

وفي المباحثات التفاوضية التي تقودها واشنطن هذه الأيام بين إسرائيل و«حماس»، وصلت المفاوضات هي الأخرى إلى «كاتش-22»؛ فحين صرح الرئيس الأميركي في الآونة الأخيرة بقبول «حماس» شرط إسرائيل بتسليم أسلحتها مقابل انسحاب الأخيرة من غزة، فاجأ الأمر الحكومة الإسرائيلية وكان الصمت ردها بدايةً. ثم أعلن رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو موقفه؛ إذ اشترط تسليم «حماس» أسلحتها أولاً، ثم يأتي سحب القوات الإسرائيلية ثانياً، في تضاد مع مطلب «حماس» سحب القوات الإسرائيلية أولاً، ثم إلقاء السلاح ثانياً.

إسرائيل ترى أن انسحابها من غزة أولاً يفقدها ورقة الضغط العسكري الأساسية ويرسخ مخاطر تتصل بتراجع «حماس» لاحقاً. ولإثبات وجهة نظرها قام سلاح الجو الإسرائيلي بغارات على غزة. في حين ترى «حماس» أنها إذا سلّمت سلاحها كلياً بينما القوات الإسرائيلية تسيطر على القطاع، فإنها تجرّد نفسها من ورقتها الوحيدة، وتصبح بلا ضمانة تمنع استئناف تصفيتها عسكرياً وسياسياً.

غيابُ الثقة يقوم بالدور نفسه في التوتر العسكري والسياسي بين واشنطن وإيران حول الموقف من فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية؛ إذ تصرّ إيران على رفع الحصار الأميركي المضروب على موانئها، والإفراج عن أموالها في المصارف الأميركية، ودفع واشنطن تعويضات عما أصابها من أضرار أولاً، في حين تصرّ واشنطن على ضمان فتح المضيق وتسليم إيران ما لديها من يورانيوم مخصّب أولاً، بوصف ذلك شرطاً لرفع الحصار ووقف الأعمال الحربية.

الحالاتُ أعلاه كافة تؤكد حقيقة أن الجميع يريد مخرجاً من الحريق، لكن في الوقت ذاته يشترط على الآخر أن يطفئ ناره أولاً!

غيابُ الثقة بين الأطراف مضافاً إليه حسابات القادة السياسيين الانتخابية، وحسابات القوة والمصالح المتضاربة لكل طرف، وتدخلات أطراف خارجية تُبقي جذوة الأزمة مشتعلة. يحدث كل ذلك في وقت تواصل فيه النيران ضرامها.

 

arabstoday

GMT 04:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 04:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 03:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 03:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 03:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 03:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 03:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 02:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من يُطفئ النار أولاً من يُطفئ النار أولاً



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab