الحرب وتجاهل اليوم التالي

الحرب وتجاهل اليوم التالي

الحرب وتجاهل اليوم التالي

 العرب اليوم -

الحرب وتجاهل اليوم التالي

بقلم: نبيل عمرو

في أثناء العمليات العسكرية، يتحمّل المتحاربون آلامها، نظراً لانصراف اهتمامهم بكليّته لكسبها، وبعد أن تضع أوزارها، بفعل التعب والإعياء أو اليأس عن سحق طرفٍ للطرف الآخر بصورةٍ نهائية، أو بتسوية حلٍّ وسط للمطالب والأهداف، يجد المحاربون أنفسهم أمام مخلّفاتها، فإذا بآلامها والجهد الذي ينبغي أن يُبذل لمعالجتها، أكبر بكثير من الحرب ذاتها، ومثلما يحدث مع الإنسان يحدث مع الدول، حيث الألم يتضاعف بعد أن يبرد الجرح.

الحرب التي لا تزال مشتعلةً في الشرق الأوسط تختلف عن كل الحروب التي سبقتها من حيث طول أمدها، وإذا ما أرّخنا لها بموقعة «طوفان الأقصى»، والردّ الإسرائيلي بحرب الإبادة على غزة، واشتعال جبهاتٍ عدة كامتدادٍ لها، فهي بعد دخول أميركا وإيران بصورةٍ مباشرة، تحوّلت إلى حربٍ إقليمية أنتجت أزمةً عالمية، لا ينجو من عصفها أي مجتمعٍ على سطح الكوكب.

وإذا ما أُضيف إلى ما حدث فيها حتى الآن ما يجري التهديد به، فلا أحد من المتورطين أو المنخرطين في وساطاتٍ لوقفها يعرف إلى أين ستصل، من دون إهمال ما قيل عن احتمال استخدام سلاحٍ نوويٍ تكتيكي أو ما هو دونه بقليل، حيث التهديد المتبادل بتدمير كل ما تطوله الأسلحة التقليدية المتوفرة.

حربٌ كهذه بدأت بسوء تقديرٍ وبفعل العناد المتبادل بين أطرافها، فلا يُستبعد وصول القائمين عليها إلى حالةٍ من فقدان العقل بفعل شراسة الفعل وردّ الفعل، وهذا ما حدث مثله تماماً في حرب غزة التي لم يكن الخيال في أكثر حالاته جموحاً يصوّر الفعل الذي كان مبتدأه زلزال «طوفان الأقصى»، وخبره الإبادة التي لم يحدث مثلها على مدى حروب إسرائيل في الشرق الأوسط.

هذه الحرب ومهما اتسعت أو تطوّرت، فلا بد من أن تضع أوزارها إمّا بحسم أحد أطرافها على حساب الطرف الآخر، أو التوقف الاضطراري بفعل التعب والإعياء، أو بتسوية حلٍ وسط ينجح طرفٌ ثالثٌ في بلورته، وتتمكن الدبلوماسية من تحقيق معجزة إقدام أطراف الحرب على تقديم تنازلاتٍ متبادلة، كانت أدبيات الحرب تصوّرها مستحيلة.

إذا ما حدث ذلك وتوقفت الحرب فسيعود الجميع إلى ما كان نُسي أو جرى تناسيه في أثناء اشتعالها، وهو ما يُتفّق على تسميته عادةً باليوم التالي.

في هذا اليوم تزدهر روايات النصر حيث اللغة والقرائح كفيلتان بتأليفها نظراً لإلحاحية استخدامها لتبرير ما حدث، ولاكتساب شرعية البقاء في سُدّة الحكم لمعالجة آثارها، ومن الذي ينسى المصطلح الذي ساد بعد هزيمة يونيو (حزيران) 1967: «ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة مع أولوية إزالة آثار العدوان».

إسرائيل المنتصرة التي فازت في الحرب أخفقت في معالجة اليوم التالي، حين أدار الانتصار السهل رؤوس قادتها معتبرين ما حدث على أنه حسمٌ نهائيٌ للصراع مع العرب، فإذا باليوم التالي يُنتج مقاومةً فلسطينيةً شرسة، وسلسلة حروبٍ صغيرةٍ وكبيرة، غاب عنها شرط الحسم الوحيد الذي هو الحل السياسي.

في هذه الحرب لا بد من أن يواجه أطرافها اليوم التالي بما يحتوي من معضلاتٍ لا تُعالج على طريقة نزع الشعرة من العجين، أو ما كان بالأمس لا أثر له على اليوم والغد.

أميركا العرّاب الأكبر والأقوى لهذه الحرب ومعها ذراعها الإسرائيلية القوية كذلك، فإن وجدتا تعويضاً عن المال الذي أنفقتاه فيها، فلن تجدا علاجاً للخسارات السياسية التي مُنيتا بها، خصوصاً بعد أن دخلتا حرباً طويلة الأمد من دون تحقيق نتائج حاسمة تبرر كلّ الخسارات التي بُذلت في سبيلها.

وإيران حيث قصائد النصر أُلّفت مبكراً بفعل بقاء النظام على قيد الحياة، والقدرة على إرهاق «الشيطان الأكبر» وتابعه الأصغر، في حربٍ لم يُقّدرا كم ستطول.

إيران كانت قبل هذه الحرب تئّنُ تحت وطأة حصارٍ دوليٍ خانقٍ أنتج جوعاً وعطشاً وفقراً في بلدٍ من أغنى بلدان العالم وفي شعبٍ ذي حضارةٍ عريقة، ستجد نفسها في اليوم التالي تجاهد بصعوبةٍ للعودة إلى ما كانت عليه قبل الحرب. وفي حال استمرار الحصار والعقوبات فلنا أن نتخيل حجم الصعوبة المُشرفة على الاستحالة في معالجتها.

إسرائيل و«حزب الله» مهما بلغا من القوة أو الضعف، فإن فاتورتهما مُلحقةً بفاتورة المعلمين الكبار، حيث اليوم التالي بالنسبة إليهما على فداحته وكبر معضلاته، فهما في الواقع فرعٌ من أصل، وأوضح ما يخصّ إسرائيل المتباهية والمدّعية أن ما كان قبل الحرب وفي أثنائها لن يكون كما بعدها، والأمر ليس مجرد إزالة مخلّفات القصف الذي طال المدن والقرى، بل مواجهة واقعٍ إقليميٍ ودوليٍ مختلف، هو بجملته وتفاصيله، ليس في مصلحة هيمنتها ونفوذها القديم.

كانت إسرائيل قبل هذا الفصل من الحرب في عزلةٍ، ولم يحدث ما يخرجها منها.

 

arabstoday

GMT 21:11 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

النصب في الفضاء المفتوح

GMT 21:10 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

آلام الحرب ومحاذير وقف النّار!

GMT 21:08 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

إيران من “دولة إرهاب” إلى “تنظيم إرهابيّ”

GMT 21:07 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

“فتح”… نسخة طبق الأصل عن مجتمعها (2/2)

GMT 21:06 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

هكذا تحقق الحلم 57357

GMT 21:04 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

حماية الأطفال من الإنترنت الضار.. رؤية شخصية

GMT 07:44 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

ماذا فعلت إسرائيل بأمريكا؟! (2)

GMT 07:17 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

دعني أسأل

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحرب وتجاهل اليوم التالي الحرب وتجاهل اليوم التالي



GMT 17:10 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

الإفراج عن الصحافية الأميركية المختطفة في بغداد
 العرب اليوم - الإفراج عن الصحافية الأميركية المختطفة في بغداد

GMT 21:59 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

أكسيوس يرجح ضعف فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران
 العرب اليوم - أكسيوس يرجح ضعف فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران

GMT 22:19 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

ناسا تنشر صورة تاريخية للأرض من مهمة "أرتيميس 2"
 العرب اليوم - ناسا تنشر صورة تاريخية للأرض من مهمة "أرتيميس 2"

GMT 13:32 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

حمادة هلال يكشف أسرارا لأول مرة عن المداح

GMT 04:16 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

دوى انفجارات فى دمشق دون معرفة الأسباب

GMT 09:42 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

إطلاق نار قرب القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول

GMT 02:01 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

يوسف الشريف يكشف سبب غيابه عن الشاشة لمدة 5 سنوات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab