عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية

عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية

عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية

 العرب اليوم -

عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

يُتداول باستمرار موضوع «نهاية الحداثة». وهذا التصعيد في أحاديث النهايات له خطّة صحيحة حين نتعامل مع الحداثة بوصفها جزءاً من تاريخ ما وصلت إليه البشرية. ولمقولة «نهاية الحداثة» جانب خاطئ؛ لأن الحداثة، حين نأخذها بالمعنى البسيط، متجددة وقائمة. لذلك يصرّ يورغن هابرماس على أن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد، بل ويعدّ «ما بعد الحداثة» مشروعاً نقدياً داخل الحداثة وليس منفصلاً عنها.

الحداثة بمفهومها العام تعني التحديث المتواصل، فكل انتقال في الفنون والسينما والأدب هو تحديث بمعنىً أو بآخر، وبالتالي؛ فإن الحداثة شريكة في هذا المنجَز، لكن حين نتعامل معها بحقبتها التاريخية المحددة، فإن مقولة نهايتها قابلة للنقاش.

الأستاذ محمد سبيلا ترجم بحثاً للفيلسوف جان بودريار عن «الحداثة»، وهو من البحوث المهمة، وقد تطرّق فيه إلى أفكار كثيرة، منها أن الحداثة ليست مفهوماً سوسيولوجيّاً، ولا مفهوماً سياسياً، وليست بالتمام مفهوماً تاريخياً، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية. فمقابل التنوع الجغرافي والرمزي لهذه الأخيرة، تفرض الحداثة نفسها على أنها شيء واحد متجانس، يشع عالمياً انطلاقاً من الغرب، ومع ذلك، فهي تظل مدلولاً ملتبساً يشير إلى تطور تاريخي وإلى تغير في الذهنية.

غير أن تشارلز تايلر، وهو من المنظّرين لتاريخ الحداثة، له رأيٌ آخر، ففي كتاب «مسائل التعدد والاختلاف... مدخل إلى أعمال تشارلز تايلر» من تأليف سايد مطر، أن الحداثة عنده ذات طابع غربي خاص وفريد. فالحداثة عند تايلر «لا تعدو كونها مرحلة من مراحل التطور الثقافي والسياسي والأخلاقي الخاص بالمجتمعات الغربية. من الضروري إذن، بحسب تايلر، إذا ما أردنا الغوص في فهم الهوية الأخلاقية والسياسية الغربية الحديثة، أن نتتبع تطورها التاريخي حتى وقتنا الراهن. وجاءت دراسته للحداثة انطلاقاً من التفكيك الذي أصاب الروابط القروسطية للجماعة التاريخية التقليدية وأصاب أيضاً الدين، مروراً بعالم تحول إلى (عالم عديم السحر)، ووصولاً إلى إعلان استقلالية الذات الإنسانية كمرجع وحيد يحدد اختيارات الفرد والتزاماته الحياتية. وما يميز الحداثة في مراحلها الأولى، بحسب تايلر، نزعتها الصريحة إلى (المذهب الإنساني الحصري - (Exclusive Humanism)».

نعم إن الحداثة لها جانب معقّد ذو اشتباك تاريخي؛ لها بداية ونهاية، ولها جانب بسيط؛ مما يعني استمراريتها، بدليل أن كل المشروعات التنموية العالمية، والأفكار الكبرى على مستويات تطوير نظريات الأدب والسياسة والدولة، ذات بعد حداثي بمعنىً أو بآخر. إن الحداثة قد تكون ماتت على مستوى تاريخها المرتبط بأحداث سياسية ودينية، ولكنها بالمفهوم الفلسفي فعّالة وتؤتي أكلها إلى اليوم.

الخلاصة: الحداثة مثل أيّ مفهومٍ آخر؛ تمر بأطوار وتتنقل وتتحوّل مع محض التجربة. ولكن يمكن أن ألخّص رأيي في نقطتين أساسيتين: الحداثة ليست محصورة في التجربة الغربية الفريدة، ولم تكن منذ انعكاسها الأول علينا؛ نحن العرب والمسلمين، خارج الهواجس والتهم العميقة؛ وذلك بِعَدّها معادية للأديان بالنسبة إلى البعض... هذه الفكرة رسمت الموقف البسيط مع المنتج الحداثي؛ الفني، والفلسفي، والمعرفي، والتقني. وُضعت الحداثة بإزاء الدِّين، بوصفها ستحلّ محله، أو ستقوّض بنيانه، أو ستهدم قيمه. انتقل العداء للحداثة من العامي الوعظي، ليحولها بعض دارسي الفلسفة إلى منهاجٍ مفهومي، باسم الدهرانية، أو العلمانية الشاملة، أو الداروينية الاجتماعية. بينما الحداثة لم تبثّ يوماً لظاهرتها تعريفاً يتفق عليه الجميع، فهي تشمل كل الرحلة الأوروبية الطويلة منذ القرن السادس عشر، وحتى عصور الأنوار، وزلازل كوبرنيكوس وغاليليو والثورة الفرنسية، وصولاً إلى فتوحات الفلاسفة في نظرية المعرفة. فالحداثة بمعناها العام هي قصة تحولات الإنسان نحو اكتشاف ذاته وعلاقاته بالعالم. واكتشافُ موقعه من الأشياء لا يعني العدوان عليها، ومن ذلك فهم الدين، ولا يمكن عَدّ تلك الرحلة مقتصرة فقط على جانبٍ محدد يتعلق بالحرية، أو الانشقاق على هيمنة الكنيسة، بل الرحلة أشمل وأعم.

النقطة الثانية أن الحداثة بتحولاتها وصَرعاتها المتصلة بتطور العلوم الإنسانية، ومن ثم توسع المشروع البعدي منها ضمن انتقالاتٍ من الكليات إلى الجزئيات، ومن المتن إلى الهامش، ومن الصرح إلى الزاوية، ومن الإنسان إلى ظلّه، اتُّهمت بأنها حالة مسيحية، وذلك من قِبل منتقدي الحداثة في القرن العشرين، منذ نيتشه وهيدغر وحتى ليوتار وباديو وفوكو وبارت ودلوز. وعدّت نظريات كانط وهيغل مجموعة تنويعات عقلانية على المسيحية كما يكتب نيتشه. بمعنىً آخر؛ فإن الحداثة مفهوم هائل ومتطوّر وينسجم مع تجارب الدول والأمم والشعوب... إنه مفهوم سهل وبسيط وشريك للناس في حيويتهم الدنيوية، وللنّظُم في تشريعات القوانين الضابطة للمجال العام.

arabstoday

GMT 05:08 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 05:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

GMT 05:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 04:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المباراة المثالية

GMT 04:58 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

«مجلس ترامب».. أى مستقبل ينتظره؟!

GMT 04:56 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 04:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 08:57 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير
 العرب اليوم - محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير

GMT 08:07 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

مقتل 11 جنديًا سوريًا بواسطة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"

GMT 07:59 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

3 شهداء جراء استهداف الاحتلال لسيارة طاقم إعلامي وسط غزة

GMT 08:03 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الجيش الإسرائيلي يعترض طائرة مسيرة تحمل 10 أسلحة نارية

GMT 19:20 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ترمب يؤكد رفض استخدام القوة في ملف غرينلاند خلال خطاب دافوس

GMT 08:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

تعرض الفنان عبد العزيز مخيون لوعكة صحية ونقله للمستشفى

GMT 09:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الطقس السيئ يودي بحياة بحياة شخصين في اليونان

GMT 09:37 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة

GMT 09:40 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

صورة غلاف
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab