عن وسائل التواصل ومشاعر «التعاسة»

عن وسائل التواصل ومشاعر «التعاسة»

عن وسائل التواصل ومشاعر «التعاسة»

 العرب اليوم -

عن وسائل التواصل ومشاعر «التعاسة»

بقلم : فهد سليمان الشقيران

ربما يدرس البعض مفهوم «السعادة» معزولاً عن ظرفه التاريخي وفي هذا جوْرٌ كبير. إن ما يسرّ الناس قديماً قد لا يسرّنا في عصرنا الحالي، وبرغم كل تسهيلات البهجة فإن ثمة مَن يتأفف ويشعر بالسخط أو التعاسة من حياته، وهذا مدروسٌ لدى المتخصصين في هذا المجال الوعر، ولكن يمكن التداخل مع هذا الموضوع بنقاشٍ فكري أكثر منه نفسي أو اجتماعي.

نعم؛ لم يعد خطاب السعادة القديم فعّالاً في المجال النظري، ثمة تحديات تواجه هذا المفهوم، لقد زاد الشعور بالوحدة والتعاسة، وبالأرقام فإن حالات الاكتئاب والقلق والهم تضاعفت وبشكلٍ مدمّر خلال العقدين الأخيرين، ومعضلة الحكمة الحياتية أن الوصول إليها يتطلّب خوض التجربة، والتجربة تحتاج إلى زمن وعمر، ومعظم الحِكم الكبرى وصل إليها الناس في أواخر سنينهم، ولكن من عيوب البشر أنهم لا يستفيدون من الحكم المطروحة ممن سبقهم.

حين نقلّب سيرة فيلسوف مثل برتراند راسل الإنجليزي الذي عاش قرناً كاملاً شهد فيه الحروب والفظاعات، هذا على المستوى السياسي، فضلاً عن تجربته الشخصية؛ حيث نجا من الموت بأعجوبة بعد أن تحطّمت به الطائرة حين نتأملها نعثر على حكمٍ مذهلة وحياة صاخبة، وآراء مدهشة، نجده يصرّ في كتاباته على توريث الأجيال بعض دروس الحياة، فهو بقدر ما مرّ بظروف شقاءٍ ومنها السجن، إلا أنه آمن بالحياة السعيدة واعتبر نفسه محظوظاً بأنه عاش حياة السعادة حتى مع الشيخوخة.

حين سُئل راسل: ما هي السعادة؟ اختصرها في التالي: «الصحة، وتوفّر الوسائل الضرورية للتحصّن من الحاجة، وعلاقات جيدة مع الآخرين، ومن ثمّ النجاح بالعمل».

الخطر الأساسي للتعاسة، بحسب راسل، مقارنة الإنسان لنفسه بالآخرين، من هنا تبدأ المشكلة، هذه المقارنة تقود بالضرورة، بحسبه، إلى مرضٍ عضال هو الحسد وقد خصّص عنه كتاباتٍ عديدة وكان مهموماً بهذا المعنى في كل كتاباته حول الحياة والسعادة، ويعتبره العائق الأساسي أمام الفرد لكي يعيش حياته بشكلٍ طبيعي.

يرى راسل أن «الحسد يتسبب في شقاء الكثير من الناس، أفكّر مثلاً بالرسّام هايدون، الذي لم يكن رساماً جيداً لكن كان بودّه أن يكون كذلك، في مذكراته يمكننا أن نقرأ الجملة التالية: لقد قضيتُ صبيحة شقية في مقارنة نفسي برافائيل راسل الذي ألّف كتابه (الفوز بالسعادة)».

يعتبر راسل أن الحيويّة الدنيويّة والانسجام مع الانتظام الاجتماعي، والقدرة على خلق أفكار وأعمال تعبّر عن حضور الذات أمرٌ أساسي للوصول نحو المبتغى الذي يسعى إليه كل البشر، وهو الظفر بحياة سعيدة.

ببساطة معيار السعادة عند راسل «ألّا تكون تعيساً». لقد طرحت التقنيات الحديثة تحدياتٍ جمة وكبيرة على البشرية، صار الإنسان لا يعرف ماذا لديه، وإنما يقضي كل وقته في النظر بالأمر الذي يصل إليه.

الخلاصة، إن الحياة المرئية عبر منصات التواصل ليست حقيقيّة، وليست هي الهدف المنشود للفرد في المجال العام، إن الإنسان الطبيعي هو الذي يعيش بصحة وتكيّف اجتماعي وتجارب عمليّة، وإنجازات شخصية، إن ما كتبه راسل من حكم يعبّر عن تجربة مؤصلة عمرها قرن من الزمان، والأجيال الصاعدة لا بد أن نعلّمها أن الحياة الطبيعية اليومية والتأقلم معها والتعامل بأخلاقٍ وقيمٍ مع الناس هي شرط للحيوية الدنيوية السعيدة، ومن الضروري الشرح المعمّق الجاد والمقنع للأجيال الصاعدة بأن التباهي الموجود في السوشيال ميديا ليس حقيقياً، فهي منصّات تسويق والذين يظهرون بشكلٍ غير اعتيادي متباهين بالأسفار والطائرات والماركات معظمهم موظّفون لدى شركاتٍ أو مسوّقون، وبالتالي من الضروري إنهاء حالات المقارنات بين الإنسان وغيره، والقناعة بما بين يديه من نعمة وعلم وعمل، هنا يكمن لبّ السعادة، فالواقع هو ما نعيشه، لا ما نشاهده، الأوّل حقيقي، والآخر مزيّف ومصنوع.

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 05:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 05:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 05:22 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 05:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 05:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن وسائل التواصل ومشاعر «التعاسة» عن وسائل التواصل ومشاعر «التعاسة»



إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - العرب اليوم

GMT 02:43 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026
 العرب اليوم - نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026
 العرب اليوم - عودة مرتقبة لكاظم الساهر بحفلات ومشروعات فنية جديدة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab