بقلم : فهد سليمان الشقيران
لم يكن الفهم التقني الأداتي للديمقراطية إلا ضمن الحيل الثورية، ذلك أنَّ رسم خطط الخلاص لأي مجتمع يحتاج إلى شعارات برّاقة وجماهيرية وساحرة، وكان لمفهوم الديمقراطية دوره في إشعال جذوات الحماس لدى الحركات الراديكالية، والتحركات الجماهيرية الثورية. يؤرخ جورج طرابيشي لذلك في كتابه: «في ثقافة الديمقراطية»؛ وتحديداً للحظة نشوء التصوّر المتواضع للديمقراطية، إذ يرى أن «القرن العشرين بقدر ما كان في نصفه الأول قرن الآمال الثورية العريضة، كان في نصفه الثاني قرن الكوابيس التوتاليتارية والبيروقراطيات السلطوية. وخيبة الأمل بالثورة، هذه هي التي فرضت طوال حقبةٍ مديدة تصوراً متواضعاً وإجرائياً للديمقراطية بوصفها محضَ آلية للحد من سلطة الدولة وهيمنتها».
بمعنى آخر، فإنَّ الجلبة الثورية أضعفتِ المفهوم وتنوع مجالات اشتغاله، وتعدد وظائفه وتداخله مع مجالاتٍ ومفاهيم أخرى تعمل بنتائجها على أرض الواقع.
من ذلك جاءت المحاججة الثورية حول دول الخليج والمعنى الديمقراطي، وذلك بغية إفراغ المؤسسة السياسية الخليجية من أي بعد ديمقراطي، كأن الغاية الوحيدة للمفهوم تتلخَّص في الانتخاب البرلماني أو الرئاسي، بينما الغاية من تلك الآلية وصول الحاكم ضمن تجاوب بين الحاكم والمحكوم، وهذا آلياته موجودة في صيغ البيعة وأسس الشورى المعمول بها في دول الخليج.
إننا لو عدنا إلى فلاسفة العقد الاجتماعي الأساسيين الستة: توماس هوبز، وجون لوك، وروسو، وكانط، وهابرماس، وراولز، لعثرنا على تعريفات متواطئة لمعاني القبول بالتفويض السياسي، هذا مع الاختلاف في توصيف شكل القبول، ومعايير العدل، وشروط اندماج المواطن في شروط الحكومة. لدى هوبز مثلاً فإنَّ علامات التعاقد تكون صريحةً أو عن طريق الاستدلال، بينما يعرّف جون لوك القبول الضمني كما يلي: «إن كل إنسان يملك أو يتمتع بجزءٍ من المناطق التي لحكومةٍ ما سيادة عليها يكون بذلك قد أعطى قبوله الضمني ويكون بذلك قد رتب على نفسه واجب إطاعة قوانين تلك الحكومة».
ثمة شروح أخرى وافية قدمها حيدر حاج إسماعيل في دراسته التقديمية لكتاب راولز «العدالة كإنصاف» فيها يتعرض لمعنى القبول الضمني أو «الأوتوماتيكي»» ويقرأ كيف وسع فلاسفة العقد الاجتماعي معاني القبول والرضا والتفويض، حتى من خلال «الإقامة الدائمة» التي تعني، وإنْ عبر «الصمت»، الانصياع للقوانين.
ثم إن الغاية من الديمقراطية تحقيق العدالة بكل ما تحمله من معنى، وهذه الغاية قد تتحقق من دون الدخول بالوسائل الديمقراطية الإجرائية السطحية التي بُنيت على ما سميناه التعريف المتواضع للمفهوم، إذ تسعى المَلَكيّات في دول الخليج إلى ثمرة العدالة، وهذا منصوص عليه بالنظام الأساسي للحكم، والغاية محل سعي حثيث من خلال مؤسسات ترسيخ العدالة والتحاكم العادل ضد المظالم حتى من ظلم مؤسسات الحكومة أو أشخاصها الاعتباريين، وهناك توجيهات أميرية وملكية تنص على سيادة القانون على الجميع بلا استثناء، وهناك نماذج لمحاكمات ربح فيها المواطنون كما في قصّة الملك عبد العزيز، إذ يروي الباحث إبراهيم العتيبي في شواهده حول القضاء في عهد الملك المؤسس أنه: «وبعد وفاة الإمام عبد الرحمن في عام 1927 ادعى شخص أنه له في ذمة الإمام مبلغ من المال، وطالب الملك عبد العزيز بالوفاء عن والده، ولما طالبه الملك عبد العزيز بالبينة قال المدعي: اذهب معي إلى الشيخ، وذهب الملك معه بعد صلاة الفجر إلى منزل القاضي سعد بن عتيق، ولما عرف القاضي أن بينهما دعوى لم يُدخلهما منزله، بل أجلسهما على الأرض أمام المنزل. وبعد أن انتهى الحكم لصالح المدعي، انصرف راضياً، وهنا أدخل القاضي الملك عبد العزيز إلى منزله وقال: أنت الآن ضيفي».
لقد دمّرت النظرة الثورية مجالات علوم كثيرة، وكان اشتغالها على المفاهيم السياسية والفلسفية كارثياً؛ إذ فرّغتها من اشتعالها وحيويتها. وأبرزُ تلك المفاهيم المعنى الأشمل للديمقراطية، وقد رأينا نماذج كثيرة في العالم لنظم ديمقراطية أسهمت في إشعال نيران الحروب، ومسخت القيم الإنسانية، وأسَّست لأبشع صور الحكم في التاريخ.
قبل أيام قرأت مقالةً مشتركةً بين كل من «توم كريستيانو، وسمير باجاج» ونُشرت في مجلة «حكمة» الفلسفية، وترجمتْها فاطمة الشملان، ومن ضمن ما ورد في المقالة أن كثيرين «مرَّروا الديمقراطية على أساس أن لها تأثيرات مفيدة على شخصية الرعايا. يتفق كثيرون مع ميل وروسو على أن الديمقراطية تميل إلى دفع الناس للدفاع عن أنفسهم أكثر من أشكال الحكم الأخرى لأنها تجعل القرارات الجمعية تعتمد على مساهماتهم أكثر من الملكية أو الأرستقراطية».
الخلاصة؛ أن النظُم الملكيّة أثبتت عدالتها القويّة، وتماسك مجتمعاتها، ومهما مرّت به المجتمعات من أزماتٍ فإنها تلقائياً تلوذ بقادتها وتثق بكل إجراءات وسياساتٍ تحددها الدول والمؤسسات، إن نجاح الدول الملكيّة في إدارة أي واقعة ليس صدفةً وإنما هو ثمرة بذرةٍ ضاربةٍ بهذه الأرَضين.