السعودية وإنقاذ اليمن

السعودية وإنقاذ اليمن

السعودية وإنقاذ اليمن

 العرب اليوم -

السعودية وإنقاذ اليمن

بقلم : يوسف الديني

لم تعدِ الأزمة اليمنية قابلةً للقراءة بوصفها صراعاً تقليدياً على السلطة أو نزاعاً بين أطراف متحاربة، بل تحوَّلت أزمةَ دولةٍ غائبة، أو بأدقّ من ذلك: أزمة «دولة فراغ». هذا الفراغ، لا الحرب وحدها، هو الخطر الحقيقي الذي يجعل اليمن قنبلةً مؤجلةً تهدد اليمنيين ومحيطهم الإقليمي على حد سواء.

ما جرى في وادي حضرموت أواخر عام 2025 كشف هذه الحقيقة بوضوح غير مسبوق. لم يكن الحدث مجرد احتكاك أمني أو تنافس نفوذ محلي، بل لحظة مفصلية انتقلت فيها حضرموت من الهامش إلى المركز، ومن إقليم مؤجَّل الصراع إلى عقدة استراتيجية تتقاطع فيها الجغرافيا، وأمن الحدود، والموارد، ومستقبل الدولة اليمنية نفسها. الوادي بات معياراً حاسماً لشكل اليمن القادم: إما استمرار إدارة الفراغ بالقوة، أو الشروع في مسار ينهي الفراغ ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة.

حضرموت، تاريخياً، لم تكن أرضاً سهلة الابتلاع. فقد تشكّل الوادي قبل الدولة اليمنية الحديثة كفضاء اجتماعي - قبلي ينظم الأرض والماء وطرق العبور، بينما انفتح الساحل على التجارة والهجرة. هذا التكوين أنتج لا مركزية طبيعية قاومت أي مركز سياسي قسري، وجعل التفاوض مع السلطة هو القاعدة لا الخضوع لها. وحتى مع تعاقب الدول والأنظمة، ظلَّ الوادي محتفظاً بشرعية اجتماعية مستقلة، عصيّة على الضبط الكامل. ومع الوحدة اليمنية، دخلت حضرموت في علاقة قبول حذر مع المركز، تعمّقت خلالها فجوة الموارد والتمثيل، ما عزز خطاب الحقوق لا خطاب الانفصال.

مع انهيار المركز اليمني بعد 2011، ثم تفكك الدولة بفعل الحرب، لم تسقط الدولة دفعةً واحدةً، بل فُرِّغت تدريجياً. في الجنوب، لم يُملأ هذا الفراغ بدولة بديلة، بل بتعدد سلطات وسلاح ومشاريع أمر واقع تحت مظلة شرعية عاجزة عن الحكم. في هذا السياق، برزت محاولات فرض السيطرة بالقوة بوصفها حلاً زائفاً لأزمة الفراغ، لا معالجة لها.

ما جرى في حضرموت لم يكن دفاعاً عن مظلومية أو تصحيحاً لمسار الدولة، بل محاولة لإعادة إنتاج منطق الميليشيا ذاته: ملء الفراغ بالقوة بدل ملئه بالمؤسسات، وتحويل الموارد إلى أدوات ضغط، وفتح صراع داخلي يفتك بالنسيج الجنوبي نفسه. إدانة هذا السلوك لا تعني الحنين إلى دولة مركزية فاشلة، بل الدفاع عن فكرة الدولة بوصفها نقيضاً للفوضى، لا واجهة لها.

فشل الحسم السريع في الوادي لم يكن تفصيلاً عسكرياً، بل نتيجة طبيعية لتركيبة حضرموت الاجتماعية، واتساعها الجغرافي، ووجود سقف إقليمي واضح يمنع تحويلها إلى ساحة مغامرة. هنا بلغ منطق الوكلاء حدوده القصوى: ما يمكن فرضه في مدن منهكة لا يمكن استنساخه في إقليم متماسك، متصل مباشرة بالأمن الإقليمي، ويملك شرعية محلية راسخة. الأخطر أنَّ أي صدام داخلي لا يضعف إلا فرص قيام دولة يمنية قابلة للحياة، ويُبقي البلاد أسيرة الفراغ المفتوح.في هذا المشهد، يبرز الدور السعودي لا بوصفه طرفاً في الصراع، بل بوصفه الضامن الأكثر اتساقاً مع مصلحة اليمنيين أنفسهم. فالسعودية ليست دولةً تبحث عن نفوذ عابر في اليمن، بل دولة متداخلة معه تاريخياً واجتماعياً وأمنياً. أمن اليمن جزء من أمنها القومي، وحدوده من حدودها، واستقراره شرط لاستقرارها الداخلي. وجود ملايين اليمنيين داخل المملكة ليس تفصيلاً ديمغرافياً، بل تعبير عن عمق العلاقة، وأي انهيار يمني هو عبء مباشر على السعودية قبل غيرها.

على عكس منطق إدارة الفراغ، لم تتعامل السعودية مع اليمن بوصفه غنيمة أو ساحة تصفية حسابات، بل بوصفه دولة يجب أن تقوم، حتى وإن تطلب ذلك تكلفة عالية. التحول السعودي من التدخل المباشر إلى دور الضامن الاستراتيجي يعكس هذا الفهم: لا تفكك للشرق اليمني، لا عسكرة للموارد، ولا صراعات داخلية تُدار بالقوة. حضرموت هنا ليست ساحة نفوذ، بل بوابة إنقاذ.

المقاربة السعودية لا تقدّس هيكل أو شكل الدولة اليمنية في إطار محدد سابق، ولا تروّج لعودة مركزية معطوبة، بل تفتح سؤال المستقبل: كيف يُبنى يمن خارج منطق الفراغ؟ الجواب لا يكون بسلطة أمر واقع تحل محل أخرى، بل بتصور يعالج المظلوميات، ويحيّد الموارد، ويؤسس لا مركزية واسعة بضمانة إقليمية مسؤولة، تعيد تعريف الشرعية بوصفها قدرةً على توفير الأمن والخدمات، لا مجرد شعارات.

اليمن اليوم أمام مفترق واضح: إما الاستمرار في الدوران داخل دولة الفراغ حتى الانفجار، أو الشروع في بناء دولة مستقبلية تبدأ من حضرموت، وبرعاية إقليمية جادة، في مقدمتها السعودية، بوصفها الطرف الأقدر على كسر حلقة الفراغ وفتح أفق الدولة.

arabstoday

GMT 01:23 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

اقتراح

GMT 01:21 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

هل سينتهي العالم هذه السنة؟!

GMT 01:20 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

السعودية... الوضوح والمواجهة ضد التطرف

GMT 01:17 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

... عن القانون الدولي والنموذج

GMT 01:16 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

سياسة «إذا لم نأخذها نحن... فسيأخذها غيرنا!»

GMT 01:12 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... كلُّ الطرق تُؤدي إلى واشنطن

GMT 01:10 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

«مؤتمر الرياض» بين حق الجنوب و«الشرعية»

GMT 01:08 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ستارمر... طريق الهروب يضيق

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السعودية وإنقاذ اليمن السعودية وإنقاذ اليمن



إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - العرب اليوم

GMT 00:57 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن
 العرب اليوم - بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن

GMT 10:05 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

إطلالات البدلة النسائية تعكس أناقة الشتاء 2026
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab