الشرق الأوسط اللاحسم ومنطق الدولة

الشرق الأوسط... اللاحسم ومنطق الدولة

الشرق الأوسط... اللاحسم ومنطق الدولة

 العرب اليوم -

الشرق الأوسط اللاحسم ومنطق الدولة

بقلم : يوسف الديني

تتدحرج المنطقة نحو مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فيما تسعى دول الخليج إلى عدم الانزلاق إلى أتون حرب شاملة، إدراكاً منها أن شرارة واحدة قد تدفع الإقليم إلى دوامة يصعب ضبطها. غير أن استهداف إيران لأراضٍ خليجية ومنشآت مدنية، رغم هذا الحرص الخليجي على ضبط النفس، كشف خللاً في الحسابات الاستراتيجية، وطرح سؤالاً أكبر: هل يمكن إدارة الشرق الأوسط بعقلية الضربات الأحادية ومشاريع الإقصاء المسلح؟

منذ صعود الولايات المتحدة قوةً عظمى بعد الحرب العالمية الثانية، تشكلت قناعة بقدرتها على خوض الحروب الطويلة دون أن تُهزم عسكرياً بالمعنى التقليدي. وفي المقابل، بنت إيران منذ عام 1979 استراتيجيتها على الصمود والمقاومة غير المتكافئة، عبر أدوات ردع غير مباشرة وشبكات نفوذ ممتدة. المواجهة الحالية تعكس هذا التباين البنيوي: تفوق عسكري وتقني أميركي واضح، يقابله سعي إيراني إلى رفع تكلفة المواجهة وتوسيع ساحاتها.

لكن التفوق العسكري لا يُختزل في مشهد الضربة الأولى، ولا تُقاس نتائجه في ساعات أو أيام. فالتجارب الحديثة تشير إلى أن مسارات الحروب أكثر تعقيداً من بداياتها. الضربات قد تعيد رسم قواعد اشتباك، لكنها لا تُنهي تلقائياً الصراعات السياسية العميقة. وإيران، حتى مع تعرضها لضربات موجعة، تبقى دولة ذات عمق جغرافي وديمغرافي، فيما تبقى الولايات المتحدة قوة عالمية ذات مصالح ممتدة. لذلك فإن الحكم المبكر على مآلات الصراع يظل سابقاً لأوانه.

الضربة الأميركية - الإسرائيلية الأخيرة كشفت ثغرات استراتيجية إيرانية واضحة: اختراق أمني عميق، وسوء تقدير لتداعيات توسيع مسرح العمليات، ومغامرة بورقة مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية. فالمضيق ليس ورقة ضغط إقليمية فحسب، بل شريان اقتصادي دولي، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق والتضخم والنمو العالمي. كما أن توسيع نطاق الرد ليطال دولاً خليجية حرصت على تجنب الحرب، نقل الأزمة من ثنائية صراع إلى معادلة إقليمية أوسع.

جوهر الإشكال لا يكمن في تبادل الضربات بقدر ما يكمن في منطق إدارة الصراع. الشرق الأوسط، عبر تاريخه الحديث، أثبت أنه مساحة توازنات لا تحتمل مشاريع الهيمنة الصلبة طويلاً. كل محاولة لإعادة تشكيله عبر القوة الخالصة اصطدمت بواقع اجتماعي وسياسي معقد، وأفضت إلى دورات متعاقبة من عدم الاستقرار. المنطقة ليست فراغاً جيوسياسياً، بل شبكة دول ومجتمعات واقتصادات مترابطة.

دول الخليج، في مقدمتها السعودية اللاعب الأهم والأكثر إدراكاً لحساسية الظرف، تدرك أن أي انزلاق واسع سيؤثر على مشاريعها التنموية. هذه الدول لم تعد ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين، بل فاعل اقتصادي واستثماري محوري في النظام العالمي. لذلك جاء موقفها واضحاً: حماية السيادة، ورفض استهداف أراضيها أو مواطنيها، مع العمل في الوقت نفسه على منع توسع المواجهة. هذا التوازن بين الحزم وضبط النفس يعكس قراءة استراتيجية بعيدة عن الانفعال.

في المقابل، فإن أي مقاربة تقوم على توسيع نطاق الصراع أو الرهان على استنزاف شامل، تفتح الباب أمام تحولات غير محسوبة، لا سيما في أسواق الطاقة. البيئة الحالية شديدة السيولة، والقرارات الكبرى فيها لا تُقاس برد الفعل اللحظي بل بقدرتها على إنتاج استقرار قابل للاستمرار.

البديل الواقعي ليس في تبني خطاب انتصار سريع، ولا في التهوين من خطورة اللحظة، بل في العودة إلى مفاهيم الدولة والقانون الدولي. احترام السيادة، وصون الممرات البحرية، وتجنب استهداف المدنيين، ليست اعتبارات أخلاقية فقط، بل قواعد ضرورية لنظام إقليمي قابل للحياة. التنمية، والتكامل الاقتصادي، والاستثمار في الاستقرار، تمثل جميعها مساراً مختلفاً عن منطق الصواريخ والاغتيالات.

لقد أثبتت السعودية مراراً وتكراراً أن الحكمة السياسية ليست تردداً، بل إدارة محسوبة للمخاطر. فالدولة التي تبني مشروعاً طويل الأمد لا تنجرّ إلى معارك تستنزف مقدراتها أو تهدد مكتسباتها. وبين تصعيد قد يتسع، واحتواء ممكن عبر قنوات سياسية، يبقى الخيار الأكثر عقلانية هو إعطاء الأولوية للاستقرار وإعادة ضبط الإيقاع الإقليمي.

الشرق الأوسط اليوم يقف أمام لحظة اختبار حقيقية. مسار الأحداث لم يُحسم بعد، والنتائج لم تتبلور، لكن الثابت أن مستقبل المنطقة لن يُبنى على منطق الإقصاء المسلح، بل على قدرة دولها على ترسيخ مفهوم الدولة، وتغليب القانون، واستبدال سباق التنمية بسباق النفوذ. وفي هذه المعادلة، يظل التعقل فضيلة استراتيجية لا تقل أهمية عن القوة نفسها.

 

arabstoday

GMT 08:49 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

حرب السودان ومخطط شد الأطراف

GMT 08:41 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

ظروف الحروب ودروس التاريخ

GMT 08:39 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

يوم تهاوت المباني وصمدت التماثيل!

GMT 08:35 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

من يدفع الفاتورة

GMT 08:31 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

«النخب» الليبية وديمومة الخلاف والاختلاف

GMT 08:24 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

أطول 5 أيام

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشرق الأوسط اللاحسم ومنطق الدولة الشرق الأوسط اللاحسم ومنطق الدولة



إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - العرب اليوم

GMT 03:31 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

كيفية يناء علاقة قوية رغم اختلاف الأبراج

GMT 03:26 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

صواريخ من لبنان تضرب كريات شمونة شمال إسرائيل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab