بقلم: طارق الشناوي
منحنى الموسيقار الكبير كمال الطويل فى منتصف التسعينيات هذا الشرف، أن أسجل مذكراته نحو ١٨ ساعة، أودعتها بعد رحيله ٢٠٠٣ فى أرشيف صديقى الموسيقار زياد الطويل، رغم أن الطويل لم يأتمنى فقط عليها بل منحنى أيضاً حرية التصرف فى توقيت النشر بأى وسيلة.
بعض الآراء كانت بحاجة لتوضيح الخلفية الزمنية، مثلاً كان كمال الطويل شديد الإعجاب بأول ألحان عبد الوهاب لأم كلثوم «إنت عمرى»، إلا أنه تحفظ فى الإدلاء برأيه للإعلام. بليغ حمدى أعلن أن اللحن أقل بكثير من الترقب لـ«لقاء السحاب» بين العملاقين أم كلثوم وعبدالوهاب، سألته قال لى لأننى كنت على خصام شخصى وقتها مع الأستاذ، وقلت كحد أدنى سأحتفظ برأيى لنفسى.
حكى لى أيضاً، أن أم كلثوم عندما وجدت عبد الوهاب تقاعس قليلاً عن استكماله، طلبت منه أن يلحن «إنت عمرى»، إلا أنه اعتذر لها، الطويل كما قال لى كان يخشى أن يتحمل غضب الجماهير لو لحن «إنت عمرى».
من المواقف التى لم أشر إليها من قبل أن مكتب الرئيس السورى حافظ الأسد تواصل معه لكى يقدم أغنية لحافظ الأسد، على غرار الأغنيات التى تغنى فيها بالثورة المصرية وجمال عبدالناصر.
رفض تماماً، رغم أن فى مثل هذه الاتفاقات تتولى المخابرات السورية رصد أى رقم يطلبه الفنان. كمال الطويل لم يلحن أيضاً باسمى السادات ومبارك.
الأستاذ كمال هو أكثر من تغنى باسم عبد الناصر من أول «إحنا الشعب / اخترناك من قلب الشعب / يا فاتح باب الحرية / يا ريس يا كبير القلب».
الأغنية كتبها إسماعيل الحبروك، لم تذكر اسم عبدالناصر مباشرة، بعدها بالطبع صار اسم ناصر أو جمال أو أبو خالد، «فرض عين» ينتقل من مطرب إلى آخر، حتى المطرب الشعبى محمد طه الذى ارتبط بأداء الموال الشعبى كان يغنى «أجمل جمال أنظره / هو جمال بلدى»، كانت تتناول معنى الجمال فى المطلق، إلا أن محمد طه ظل يعيدها ويتوقف عند كلمة جمال عشرات المرات، حتى يتأكد الجميع أنه يقصد اسم جمال وليس صفة الجمال.
الطويل والشعراء الذين تعامل معهم فى الأغنيات الوطنية يقف فى المقدمة صلاح جاهين وأحمد شفيق كامل، كانوا يعبرون بصدق عن إيمانهم بالثورة وبجمال، تجاوز اسم جمال حروف الكلمات لتمتزج ملامحه مع حدود الوطن. قطعاً، بعد هزيمة ٦٧، استيقظنا جميعاً، وحكى لى الأستاذ كمال أنه تواصل فى الستينيات مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، بعد أن تردد كثيراً تعبير زوار الفجر، وأبلغه مخاوفه، وقال له إن أى تجاوز يعلم به عبد الناصر، يتصدى له مباشرة.
بعد الهزيمة كان من المستحيل أدبياً أن يذكر اسم ناصر فى أى أغنية.
الطويل كان صادقاً فى مشاعره، بل إنه عندما توقف عن التعامل الفنى مع عبد الحليم فى منتصف الستينيات بعد أغنية «بلاش العتاب» بسبب تدخله فى توجيه الفرقة الموسيقية أثناء البروفات، وهو ما كان يوافق عليه كل الملحنين بداية من عبدالوهاب، إلا أن الطويل وجد فى هذا الموقف اعتداء أدبياً عليه، ظلت الأغنيات الوطنية هى الاستثناء الوحيد. سألته: لو عادت بك الأيام هل ستغنى لعبد الناصر «ضربة كانت من معلم / خلّى الاستعمار يبلم»؟، أجابنى: نعم سوف ألحنها، لأننا كنا مصدقين أن الأحلام ستصبح حقيقة!!.