النظام الدولي والظهير الأخلاقي

النظام الدولي والظهير الأخلاقي

النظام الدولي والظهير الأخلاقي

 العرب اليوم -

النظام الدولي والظهير الأخلاقي

بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

النظام الدولي الجديد الذي يُراد بناؤه على القوة المحضة والقوة فحسب، هو نظامٌ يسعى إلى فرض نفسه على العالم بقوة السلاح الخشنة وتفسير جديدٍ لقوة الاقتصاد وقوة المجتمعات وقوة المعرفة بعيداً عن أي معايير فلسفية وإنسانية وأخلاقية سابقة، وبعيداً عن معانٍ سياسيةٍ راسخةٍ مثَّلها النظام الدولي القائم، وقد أملتها تجارب التاريخ وخبرات البشر وتراكم المعارف والعلوم.

وعلى الرغم من كل ما اعتور النظام الدولي القائم من انحيازاتٍ وتناقضاتٍ واختلالاتٍ أوجبت تقديم نقدٍ جوهريٍ له ولأدواره ومنظماته الكبرى والصغرى ومؤسساته، فإنَّ التوجُّه الحالي يسعى لبناء نظامٍ لا علاقة له بالتجارب والخبرات الإنسانية، وإنما هي القوة مع السياسات الفجة.

التذمّر الأكبر اليوم يأتي من دول في «حلف الناتو» وتحديداً في أوروبا التي عبَّر كثير من قادتها عن استيائهم من سياسات أميركية اعتبروها معادية لهم، مثل الرئيس الفرنسي ماكرون، وكذلك من رئيس الوزراء الكندي كارني.

التوازنات الدولية على طول التاريخ وعرض الجغرافيا دائمة التغيّر والتقلب، معايير ومقاييس، وأنظمة وقوانين، ولا يمكن لأي نظامٍ دوليٍ أن يُبنى ويستقر ما لم يحقق توازنات سياسيةٍ ومعادلات اقتصاديةٍ ومنظومةٍ حقوقيةٍ وقانونيةٍ ومبرراتٍ أخلاقيةٍ قادرةٍ على منحه قبلة الحياة ونبض الاستمرارية.

بعد الحروب الدينية الأوروبية وحرب الثلاثين عاماً، جاءت «معاهدة وستفاليا» (1648) كنقطة انطلاقٍ جديدةٍ لأوروبا، وتجلّى بعدها فلاسفة أوروبا في التنظير للسلام ورفض الحروب، ولكن وقعت بعد ذلك حروب نابليون التوسعية، وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى، حيث تجلى فيها «صراع الإمبراطوريات» الأوروبية، بعدما اتضح أن التوازنات القائمة حينذاك كانت هشةً وضعيفةً، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية التي عبَّرت بوضوحٍ عن «صراع القوميات»، التي تجلّت عن بناء نظامٍ دوليٍ جديدٍ.

بعد النظام الدولي الجديد قامت الحرب العالمية الباردة، وهي حربٌ أطول عمراً من سابقاتها، حيث استمرت عقوداً من الزمن بين القطبين العالميين، الشرقي والغربي، ومثلت «صراع الآيديولوجيات». ومع نهايتها، مطلع التسعينات، بتفكك الاتحاد السوفياتي، صار النظام الدولي ذا «قطبٍ واحدٍ» تقوده أميركا، ثم صعدت روسيا القومية وصعدت الصين الجديدة التي تخلّت تدريجياً عن الاشتراكية، ونجحتا معاً، روسيا والصين، في تقديم نموذجين سياسيين شكلا وما زالا يشكلان تحدياً حقيقياً للنظام الدولي أحادي القطب، وبدأتا في ملء كثيرٍ من الفراغات الدولية الاستراتيجية.

أوضح الأمثلة في هذا الإطار قضية الأميركي إبستين الذي أثار وما زال يثير ضجةً كبرى داخل أميركا وحول العالم، في عالم السياسة والاقتصاد والمال والأعمال والفنون والشهرة، فطبقت شهرته وشهرة قضيته الآفاق، وهي قضيةٌ واضحٌ مَن يقف وراءها، وقدم الدعم لإبستين منذ البداية حتى النهاية.

لكن من هذه الفضائح الكبرى، ومهما علا صيتها وترددت أصداؤها، قد تنجح في تنحية مسؤول أو استبعاد آخر، ولكنها أبداً لا يمكنها التأثير في كيانات الدول واستراتيجياتها وسياساتها؛ فالفضائح طوال التاريخ تنزوي في ركنٍ صغيرٍ وهامشي، طال بها الزمن أم قصر.

لقد سمحت انسحابية أوباما لروسيا بالتمدد في جزيرة القرم، ثم في شرق أوكرانيا ثم في سوريا، وصولاً للحرب الروسية الأوكرانية الحالية، ولقد بعثت سياسات اليسار الليبرالي في أميركا زمن أوباما وبايدن تجاه أوكرانيا وسوريا وإيران وأفغانستان، برسائل خاطئةٍ للعالم كله، ما دعا خصوم أميركا وخصومهما داخل أميركا، لاستغلال الفرصة وتغيير التاريخ.

غير مجدٍ في شريعة الإنسان الاعتماد على القوة بلا عقلٍ ولا أخلاقٍ ولا توازناتٍ، وإنما هو مجدٍ في شريعة الغاب، التي هي -عند التأمل- أرحم من شريعة الإنسان الذي يعتمد على القوة وحدها، ولئن كان التاريخ البشري بأكمله يخبرنا شيئاً؛ فهو يخبرنا أن كل الإمبراطوريات مهما علت قوتها العسكرية وسيطرت على كل من حولها لا تلبث طويلاً في التاريخ، بل إنها تتجه سريعاً للأفول أو التشتت أو السقوط عسكرياً وسياسياً، والأمثلة كثيرةٌ شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً.

أي نظامٍ دوليٍ أو تحالفٍ إقليمي أو دولةٍ قويةٍ تسعى للنجاح والتأثير تحتاج أول ما تحتاج إلى ظهيرٍ نظريٍ ومنظومة فلسفيةٍ وقوة أخلاقيةٍ ومرونةٍ عمليةٍ لكي تضمن قوة الإقناع ورسوخ المبادئ، ومن ثم بناء التوازنات القابلة دائماً للتغيير والتعديل والتطوير.

أخيراً، فكل ما يُقال عن نظامٍ دوليٍ جديدٍ يمكن فرضه بالقوة المحضة وحدها، فهو محكومٌ بالفشل حتى قبل أن يبدأ.

arabstoday

GMT 04:22 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

فواكه سحرية

GMT 04:16 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوع: سُرَّ من رأى... ثم حزن!

GMT 04:13 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

أمريكا وإيران.. وسقوط أسطوانة الديمقراطية

GMT 04:09 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

أولويات وخيارات متناقضة أمام العالم

GMT 04:00 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

«بكرين» و«صدامين»

GMT 03:55 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

بريطانيا... «العمال» أمام عواصف مرعدة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النظام الدولي والظهير الأخلاقي النظام الدولي والظهير الأخلاقي



الأميرة رجوة تتألق بإطلالة رمضانية في صورة مع ولي العهد الأردني

عمان ـ العرب اليوم

GMT 19:55 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

دراسة تحدد تأثير الهواتف على التحصيل الدراسي
 العرب اليوم - دراسة تحدد تأثير الهواتف على التحصيل الدراسي

GMT 21:52 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

مرشح لرئاسة برشلونة يقدّم وعدا ينتظره الجميع
 العرب اليوم - مرشح لرئاسة برشلونة يقدّم وعدا ينتظره الجميع

GMT 22:39 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

أميركا تخطط لإعادة فتح سفارتها في سوريا

GMT 20:27 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab