الإنفاق وكرامة الإنسان

الإنفاق وكرامة الإنسان

الإنفاق وكرامة الإنسان

 العرب اليوم -

الإنفاق وكرامة الإنسان

محمود خليل
بقلم - د. محمود خليل

عندما ينوب الإنسان غيره فى شأن معين، فإن الواجب عليه أن يلتزم بتوجيهات من أنابه فى إدارة هذا الشأن. وثمة إشارة واضحة فى القرآن الكريم إلى أن الله تعالى أناب الإنسان فى التصرف فى المال الذى يرزقه به، لأنه سبحانه وتعالى هو مصدره.. يقول تعالى: «وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ». العجيب أن بعض المفسرين يذهبون إلى أن المقصود بالاستخلاف هنا هو الوراثة، أى المال الموروث عن الغير، وكأن المال هو ما يقع فى يد الفرد عن طريق غيره، أما ما يجتهد فيه بنفسه ويربحه فلا يحسب فى سياق الاستخلاف.

الحقيقة أن معنى الاستخلاف هنا مختلف، وهو يرتبط بفكرة يؤكدها الإسلام باستمرار تذهب إلى أن المال مال الله، وأن الإنسان مستخلف من الله فيه، مثله فى ذلك مثل كل معطيات الحياة التى استخلف الله الإنسان فيها.. يقول الله تعالى: «هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرضِ وَاستَعمَرَكُم فِیهَا».. ويقول: «وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتاكُمْ».

والإنسان مأمور بأن ينفق مما آتاه الله، وما ينفقه هو ما يبقى له، ذلك هو مفهوم الباقيات الصالحات: «وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً».. فالإنسان لا يأخذ ماله معه وهو راحل عن الحياة، بل يصحب الباقيات الصالحات، أى الأعمال الصالحة التى قام بها، وعلى رأسها الإنفاق.

ولا بد أن يراعى الإنسان وهو ينفق كرامة من يعطيه، فيصونها ويحفظها له.. وأول شروط حفظ كرامة من يأخذ أن يعطيه المنفق مما يحب: «لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهِ بِهِ عَلِيم».. توجه الإنسان إلى الإنفاق مما يحب يعنى ببساطة الإيثار، وقد ضرب الله مثلاً لذلك بما فعلته فاطمة وعلى بن أبى طالب، رضى الله عنهما، حين بذلا الطعام على حبه لمسكين ويتيم وأسير: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً».

الشرط الثانى الذى يجب مراعاته ألا يتجه الإنسان إلى الإنفاق من الأشياء السيئة التى يريد التخلُّص منها أو التى لا يطيق استخدامها، وهو ما وصفه القرآن بالخبيث من الأشياء، وذلك فى قوله تعالى: «وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ».. فما لا تقبل أخذه عليك ألا تعطيه، والمؤمن الحقيقى لا يعطى ما يكره.

الشرط الثالث عدم اتباع الإنفاق بالمن والأذى.. فحفظ كرامة الإنسان فى الإسلام قيمة مقدمة على ما عداها، ولا يليق أن يعطى الإنسان غيره ثم يؤذيه بالقول أو بالفعل.. يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ».. فمن يمن أو يؤذى بما تصدق به لا يختلف عن الذى ينفق ماله نفاقاً ورئاء، ذلك الذى يزعم أنه ينفق لوجه الله، فى حين أنه فى الحقيقة يرجو مديح الناس له.

ومسألة الكرامة لا تتعلق فقط بمن يعطى، بل لا بد أن يحرص على الآخذ أيضاً على كرامته ويصونها ويدافع عنها، مهما اشتدت حاجته.. يقول الله تعالى: «لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ».

ذلك هو معنى الإنفاق الذى يحمى كرامة الإنسان كما قرره القرآن الكريم.

arabstoday

GMT 13:05 2024 السبت ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حزب الله بخير

GMT 11:57 2024 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مرحلة دفاع «الدويلة اللبنانيّة» عن «دولة حزب الله»

GMT 11:55 2024 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

هل هذا كل ما يملكه حزب الله ؟؟؟!

GMT 20:31 2024 الجمعة ,13 أيلول / سبتمبر

عشر سنوات على الكيان الحوثي - الإيراني في اليمن

GMT 20:13 2024 الخميس ,12 أيلول / سبتمبر

صدمات انتخابية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإنفاق وكرامة الإنسان الإنفاق وكرامة الإنسان



إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 22:46 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

مقتل 4 أشخاص في غارات إسرائيلية جنوب لبنان

GMT 03:08 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفضل ثنائيات الأبراج في الحب والرومانسية

GMT 07:01 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

6 شهداء في عدوان إسرائيلي مستمر على غزة

GMT 18:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 06:23 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 04:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab