بقلم : خالد منتصر
هل قتل الإيموجى دفء التواصل وحميمية المشاعر؟ هل اكتفينا بتلك الرموز الصامتة على الشاشة، فأصبحت بديلاً عن البسمة واللمسة وربتة الكتف وقبلة الجبين؟ هل لم تعد عبارة «أحبك» تحتاج إلى شجاعة البوح، ويكفى أن تضغط على قلب أحمر، ليحس من أمامك أنك تحبه؟ للأسف لم يعد الحزن يستدعى البحث عن كلمات المواساة؛ وجه أصفر تسيل منه دمعة يؤدى المهمة، هكذا صار للمشاعر كتالوج جاهز، على كيبورد، نختار منه كما نختار فاست فود، ثم نغلق الشاشة مطمئنين إلى أننا أدينا واجب الحنان.
الإيموجى لم يخترع جفافنا، لكنه وجد فيه سوقاً رائجة، دخل إلى علاقات أنهكها الاستعجال، وإلى بشر يريدون الاحتفاظ بالآخرين دون منحهم الوقت، ترجم ضعف التواصل، ثم ساهم فى تكريسه؛ لأن الاختصار، حين يصبح عادة، يجعل الجملة عبئاً، والإصغاء ترفاً، والحميمية مجهوداً يمكن الاستغناء عنه، كانت رسالة الحب تكشف صاحبها، بارتباكه، بمفرداته، بخطه المتلعثم، أو حروفه المنتشية، محاولاته المتعثرة ليقول شيئاً لم يقله أحد بالطريقة نفسها، أما القلب الجاهز فلا يحمل بصمتنا، أو هويتنا، يرسله الملايين دون عناء، يرسله العاشق، ويرسله البائع إلى الزبون، ويرسله شخص يريد إنهاء الحديث بأدب، صار الرمز قادراً على احتضان المعنى ونقيضه، ولذلك يسهل إرساله دون أن يورط صاحبه فى شعور واضح، الملامح صارت ممسوخة، لصالح القالب الجاهز، تكتب لصديق أنك منهك، وأن العالم يضيق حولك، فيرد بوجه حزين.
هل فهم؟ هل تألم؟ هل يريد أن يسمع؟ لا تعرف. لقد تسلمت إيصالاً إلكترونياً بوصول الحزن، بينما كنت تحتاج إلى سؤال بسيط: «احكى لى، ماذا حدث؟»، هناك فرق بين تسجيل حضورنا فى المحادثة، وحضورنا الحقيقى فى حياة إنسان، الحميمية تحتاج إلى تفاصيل تبدو صغيرة: أن تتذكر سبب خوفه، أن تسأله عما انتهى إليه يومه، أن تحتمل تكرار شكواه، وأن تصوغ له كلمات تخصه وحده، الإيموجى، حين يحل محل ذلك كله، يجعل الآخرين متشابهين، القلب نفسه للجميع، والوردة نفسها لكل مناسبة، والدمعة نفسها لكل موت، ولا يصح أن نحاكم كل قلب مرسوم باعتباره شهادة وفاة للعاطفة، قد تحمل صورة صغيرة دفئاً حقيقياً بين شخصين يعرفان بعضهما جيداً، المشكلة تبدأ حين نستعملها ستاراً وراءه كسلنا العاطفى، ونمنحها مهمة الكلام الذى نخشى قوله، أو الوقت الذى نبخل به، أو الاعتذار الذى لا نريد تحمل مسئوليته.
فزر القلب لا يختبر قدرتك على الحب، ووجه يبكى لا يسألك إن كنت مستعداً للجلوس بجوار الحزين، يمكنك أن تنثر عشرات القلوب وأنت لا تمنح أحداً عشر دقائق، هنا تتحول سهولة التعبير إلى وهم: نظن أننا بذلنا المشاعر، بينما بذلنا حركة إصبع، وربما كان أخطر ما يحدث أن نتعود نحن أيضاً طلب القليل، نفرح بالعلامة، ونتراجع عن السؤال، ونخجل من احتياجنا إلى مكالمة أو لقاء، يصبح الجوع العاطفى أمراً شخصياً نخفيه، بينما تتكدس على الشاشة أدلة ظاهرية على أننا محبوبون، ومحاطون، وأن أحداً لا ينقصه شىء، نحتاج إلى استعادة الكلام والحوار والتواصل اللفظى والكتابى، بما فيه من تعثر ومخاطرة ومجهود، قل لماذا تحب، واسأل أين الألم، واكتب اعتذارك كاملاً، امنح القلب المرسوم فؤاداً شريكاً يسنده، فالشاشة تضىء بسهولة، أما روح الإنسان فتحتاج إلى حضور كثيف لكى تضاء سراديبها الخافتة.