بقلم : خالد منتصر
كنت أول من أشاد بمسلسل عين سحرية، وكتبت مشيداً بالمخرج السورى السدير مسعود، والسيناريست هشام هلال، والممثلين خاصة عصام عمر وباسم سمره، وكنت وما زلت أؤكد أنه من ناحية الإخراج والإيقاع والتمثيل من أجمل مسلسلات رمضان، لكنى صدمت فى الحلقات الأخيرة - المقال أرسلته بعد الحلقة ١٣- حين بدأ المسلسل فى الكلام عن قضية فساد المحامى شهاب الصفطاوى والذى يؤدى دوره الممثل محمد علاء الذى يؤدى دوراً من أفضل أدواره، وتطرق الحوار ما بين باسم سمرة (زكى) وعصام عمر (عادل) حول نوع هذا الفساد، وتعرفنا من خلال الكلام على أنه متعلق بالدواء، الذى جاءت صورة زووم على علبة الدواء، ووجدت عليها الاسم العلمى للسوفالدى وهو Sofosbuvir، واندهشت من أن الكلام كان عن أن هذا الدواء قد استخدمنا نحن المصريين،.
ولأننا كتلة سكانية كبيرة، كفئران تجارب!!، وأن هذا الدواء هو سبب مقتل أم البطل التى كانت تعانى من مرض الكبد، وهذا ليس خطأ بل هى خطيئة، لأن ما سيفهمه رجل الشارع العادى أن هذا الدواء الذى أنقذ ملايين المصريين من وحش قاتل ومرعب اسمه فيروس سى، سيترجم كلام المسلسل على أنه دواء قاتل، وكان نتاج شركة مافيا دوائية جربت على المصريين الغلابة فقط!!، وهذا غير صحيح ويرسخ فى العقول ثقافة كراهية الدواء والعلم التى انتشرت فى مصر فى الآونة الأخيرة من دجالين ونصابين ومرضى بارانويا، ينشرون كلامهم وهرتلاتهم على وسائل التواصل، وتحصد ملايين المشاهدات للأسف، نحن لم نكن فئران تجارب فى خطوات السوفالدى، بل كنا أصحاب مصلحة، ولو ظللنا نشكر أطباء الخارج وأطباء مصر الذين أجروا التجارب وساعدوا المصريين ألف سنة، ما وفيناهم حقهم، وعبارة فئران تجارب، الفزاعة التى يقذفها فى وجوهنا ذوو الذمم الخربة، والضمائر الميتة، لينشروا تجارة الدجل اللاطبى، ويخوّفون الناس من منجزات الطب والعلم التى أنقذتهم، هى عبارة تستخدم بخبث، فالمريض الذى أجريت عليه تجربة السوفالدى قبل الموافقة كان بالمناسبة أمريكيا وإنجليزيا وفرنسيا ويابانيا ولم تتم على المصرى إلا بعد الموافقة وخروج الدواء للنور، المريض من أى جنسية يوقع على موافقة مستنيرة، عدد صفحاتها مثل المجلد، يتم فيها شرح كل شىء للمريض.
من الألف للياء، وتمت بعد الاطمئنان على درجة السمية والأعراض الجانبية المقبولة، فى المعمل وعلى الحيوانات، وفى حالة فيروس سى كان الحيوان هو الشمبانزى الذى تركيبه الجينى قريبا جداً من الإنسان، ثم بعد الاطمئنان تمت التجارب على البشر فى مراكز بحثية وجامعية معروفة بأنها مراكز بحث علمى فى أكثر من بلد، وليست عيادات خاصة، بعد المقارنة بين مجموعة من المرضى تتناول الدواء، ومجموعة ضابطة تتناول ما يسمى البلاسيبو، قرص زائف، ويأتى المسلسل بعد كل تلك الخطوات الصارمة المليئة بوسوسة العلم ليقول لنا كنا فئران تجارب!!، الغريب أنه كان من الممكن أن يخترع اسماً وهمياً لدواء وهمى، لكن لماذا الإصرار على هذا الدواء بالذات؟!، والذى بسببه أصبحنا الدولة الأهم فى القضاء على فيروس سى الذى كان يحصد أرواح المصريين وينهش أكبادهم.
وبقراءة أكثر عن هذا الدواء سنجد أن ظهور Sovaldi لم يكن مجرد إضافة دواء جديد إلى سوق العلاجات، بل كان نقطة تحول تاريخية فى علاج فيروس الالتهاب الكبدى C، وفى مصر تحديدًا حيث كان النوع الرابع (Genotype ٤) هو الأكثر انتشارًا عالميًا، تحولت تلك الثورة الدوائية إلى مشروع قومى للقضاء على المرض، لكن لماذا كان السوفالدى ثورة؟، ببساطة قبل عام ٢٠١٣ كان العلاج يعتمد على ما يسمى الإنترفيرون والريبافرين لمدة علاج تصل إلى ٤٨ أسبوعًا مع آثار جانبية مرهقة ونسب شفاء لا تتجاوز ٤٠٪، إلى أن جاء Sofosbuvir كأول دواء فموى مباشر المفعول يستهدف إنزيم NS٥B RNA polymerase الخاص بالفيروس، فيوقف تكاثره مباشرة بدل الاعتماد على تحفيز المناعة فقط، استحوذت عليه شركة Gilead Sciences عام ٢٠١٢، وفى ديسمبر ٢٠١٣ حصل الدواء على موافقة U.S. Food and Drug Administration، لتبدأ حقبة ثورية جديدة فى علاج فيروس C.
ولمن يقولون ويتهمون وينشرون قصة فئران التجارب، نقص عليهم مراحل تطوير هذا الدواء، المرحلة الأولى هى تقييم الأمان والجرعات كانت نتائج ممتازة من حيث التحمل، المرحلة الثانية كانت إثبات فاعلية قوية وانخفاض سريع فى الحمل الفيروسى، المرحلة الثالثة كانت دراسات مختلفة ومتعمقة أظهرت نسب شفاء تجاوزت ٩٠٪ خلال ١٢ أسبوعًا فقط، لكن السؤال الأهم كان: هل سينجح الدواء بنفس القوة فى النوع الرابع المنتشر فى مصر؟، هل كانت الإجابة ستأتى من مرضى من كائنات فضائية، أم مرضى من مصر؟!، مصر كانت الحالة الفريدة عالميًا، لأن أغلب الدراسات السابقة كانت على الأنماط ١ و٢ و٣، بينما كان Genotype ٤ هو السائد فى المصريين، على سبيل المثال أُجريت تجربة عشوائية داخل مصر بالتعاون بين مراكز مصرية وشركة Gilead، وشملت ١٠٣ مرضى مصابين بالنوع الرابع بعضهم لم يُعالج سابقًا، وبعضهم فشلوا على الإنترفيرون، وأجريت مقارنة بين:
Sofosbuvir + Ribavirin لمدة ١٢ أسبوعًا.
Sofosbuvir + Ribavirin لمدة ٢٤ أسبوعًا.
وكانت النتائج: حوالى ٧٧٪ شفاء فى نظام ١٢ أسبوعًا، وحوالى ٩٠٪ شفاء فى نظام ٢٤ أسبوعًا، وقد شارك فى هذه الدراسة باحثون من المعهد القومى للكبد والأمراض المتوطنة بالقاهرة ومركز الكبد بالمنصورة وجامعات مصرية أخرى إلى جانب فريق بحثى من شركة Gilead، وهنا ثبت علميًا أن السوفالدى فعّال أيضًا ضد النوع الرابع المصرى، بالتوازى مع الدراسات، تم التفاوض بين الدولة المصرية وشركة Gilead للحصول على الدواء بسعر مخفض جدًا مقارنة بالسعر الأمريكى، بدأ إدخال السوفالدى إلى العيادات الحكومية عام ٢٠١٤، ثم تم تصنيع نسخ محلية، وتوسع البرنامج القومى للعلاج، وانخفضت نسب التليف، وأطلقت مصر لاحقًا أكبر حملة مسح وعلاج لفيروس C عالميًا.
وأصبحت مصر نموذجًا دوليًا مثالياً فى القضاء على المرض، وبعد إثبات الفاعلية، انتقلت مصر إلى نظم أكثر تطورًا مثل: Ledipasvir/Sofosbuvir، وتركيبات متعددة أخرى تستهدف عدة بروتينات فيروسية، ووصلت نسب الشفاء إلى أكثر من ٩٥٪، حتى فى حالات التليف، وبدلاً من شكر الشركة الدوائية التى وافقت بعد مفاوضات ماراثونية على تخفيض السعر من أكثر من ٨٠ ألف دولار للكورس، إلى مئات الجنيهات فقط!!، ثم أصبح يوزع مجاناً، بدلاً من هذا نجرسها درامياً وبالاسم العلمى كمان لمزيد من الدقة، هذا هو الملح الذى بوظ الطبخة.