سقوط “عمود الخيمة” أيّ إيران بعد مقتل خامنئي

سقوط “عمود الخيمة”: أيّ إيران بعد مقتل خامنئي؟

سقوط “عمود الخيمة”: أيّ إيران بعد مقتل خامنئي؟

 العرب اليوم -

سقوط “عمود الخيمة” أيّ إيران بعد مقتل خامنئي

بقلم : نديم قطيش

دخلت الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، في أعقاب الضربة الجوّيّة المشتركة التي استهدفت مقرّ المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 شباط، منطقة “اللاعودة” السياسيّة. لا يمثّل مقتل الرجل الذي صاغ هويّة الدولة وموازين قواها لقرابة أربعة عقود مجرّد فراغ في السلطة، بل هو انهيار لـ “البنية التحتيّة للشرعيّة” التي استند إليها النظام الثيوقراطيّ منذ وفاة الإمام المؤسّس الخمينيّ عام 1989.

 

ليس بديهيّاً ما يطرحه المدافعون عن متانة النظام بأنّ ما يُسمّى “المؤسّسات”، أي مجلس الخبراء، مجمّع تشخيص مصلحة النظام والبرلمان وغيرها، قادرة على امتصاص الصدمة. الواقع أنّ هذه المؤسّسات كما طوّرها خامنئي طوال 37 عاماً، كانت دولته البديلة عن الدولة وجعلته الحاكم المطلق ونقطة التوازن التي لا غنى عنها بين الأجنحة المتصارعة، من الحرس الثوريّ إلى رجال الدين إلى الإصلاحيّين والبيروقراطيّين والبازار.

مجلس القيادة المؤقّت الذي ملأ مكان خامنئي والمكوّن من رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائيّة غلام حسين محسني إيجئي، وعلي رضا أعرافي، عضو في مجلس صيانة الدستور (الجهة المسؤولة عن فحص القوانين والمرشّحين)، عضو في مجلس خبراء القيادة (الهيئة المسؤولة عن اختيار المرشد القادم)، هو مجلس ضعيف جدّاً بمعايير موازين القوى في إيران.
إيران كتكوين تاريخيّ، وليس جمهوريّة إسلاميّة، عاشت انهيارات متكرّرة للسلطة المركزيّة

يفتقر المجلس إلى التفويض الإلهيّ الذي كان يتمتّع به المرشد، ويفتقر أكثر إلى الولاء العسكريّ المطلق للحرس، وليس بين أعضائه من يتمتّع بحظوة شعبيّة في أيّ قطاع من قطاعات المجتمع الإيرانيّ. وفوق ذلك يواجه هذا المجلس معضلة الضعف أمام الخارج المستمرّ في القصف وتهشيم النظام، وأمام الداخل الذي بدأ يرى في سقوط الرأس فرصة لتغيير المعادلة.

المفارقة أنّ إيران كتكوين تاريخيّ، وليس جمهوريّة إسلاميّة، عاشت انهيارات متكرّرة للسلطة المركزيّة. فالسلالة الصفويّة سقطت، والقاجاريّة أُهينت، والبهلويّة أُطيحت، لكنّ الدولة الإيرانيّة بمعناها العميق، أي الهويّة الفارسيّة-الشيعيّة والمركزيّة البيروقراطيّة، استمرّت دائماً، في حين أنّ هذا الأفق لا يبدو بديهيّاً الآن. وعليه ليس السؤال الحقيقيّ هل يسقط النظام، بل هل تنجو الدولة نفسها؟

لو توقّفنا عند فكرة أنّ خامنئي لم يكن مرشداً سياسيّاً فحسب، بل كان حاملاً لعقيدة “ولاية الفقيه المطلقة” التي ابتكرها الخمينيّ وظلّت مثار جدل داخل الحوزة منذ نشأتها، سنجد أنّ الغالبيّة العظمى من مراجع النجف، وكثيراً من مراجع قم، لم يعترفوا يوماً بشرعيّتها اللاهوتيّة. مقتل خامنئي لا يفتح أزمة خلافة سياسيّة فحسب، بل يعيد فتح الجرح اللاهوتيّ الأصليّ، بشأن من يملك حقّ الولاية؟ وهل يحقّ لمرشد جديد يفتقر للمكانة الفقهيّة أن يرثها؟ هذا السؤال قد يفجّر الحوزة ذاتها قبل أن يفجّر الشارع.

في مثل هذا السياق، تبرز مؤسّسة الحرس الثوريّ الإيرانيّ كلاعب وحيد قادر على منع التفكّك الفوريّ للنظام نتيجة صراع الأجنحة والأجندات. أمّا السيناريو الأكثر ترجيحاً فهو انتقال إيران من دولة دينيّة بذراع عسكريّ إلى دولة عسكريّة بعمامة دينيّة.

يمتلك الحرس الثوريّ الآن نظريّاً مفاتيح مخزون اليورانيوم والبنية التحتيّة النوويّة. وليس محسوماً ما إذا كانت هذه الورقة ستتحوّل، في عقيدة “بقاء النظام”، إلى وسيلة ردع سياسيّ في لعبة المساومة الأخيرة، أو أداة انتحار استراتيجيّ على قاعدة الخيار الشمشونيّ.

غير أنّ التعامل مع الحرس الثوريّ بوصفه كتلة صمّاء متجانسة يمثّل قفزة تحليليّة خطرة. فالحرس منظومة متشعّبة الأجنحة والولاءات، تتقاطع فيها تناقضات عميقة بين قيادة الأركان التي تحتكر القرار الاستراتيجيّ، وقوّة القدس المُثخنة بجراح ما بعد سليماني، وأجهزة الاستخبارات التي تخوض حروبها المستقلّة، فضلاً عن الذراع الاقتصاديّة التي راكمت مصالح ضخمة قد تجعل بقاءها مشروطاً بالتسوية لا بالمواجهة. وقد كان خامنئي نفسه يدير هذه الانقسامات الداخليّة بيد خبيرة، إذ لم يسمح لأيّ جنرال بأن يتحوّل إلى مرجعيّة مستقلّة. برحيله، تفقد هذه الأجنحة حكَمها الأخير، وتصبح عمليّة إنتاج قرار مركزيّ موحّد داخل الحرس رهينةً لصراع نفوذ داخليّ. ولئن تبدّى أنّ الحرس قادر على منع الانهيار الفوريّ، لكنّه غير مضمون القدرة على صياغة بديل متماسك ومستدام.

إلى كلّ ما سبق، يضاف أنّ إيران ستقرّر مستقبلها في ضوء واقع استراتيجيّ ضاغط. فقد أثبتت عمليّة “ملحمة الغضب” أنّ التفوّق التكنولوجيّ الإسرائيليّ الأميركيّ والسيادة الجوّيّة قد حيّدت تماماً منظومات الدفاع الجوّيّ الإيرانيّة، نتيجة تدمير رادارات S-300، بالإضافة إلى تدمير منصّات إطلاق الصواريخ البالستيّة.
حُرمت إيران من أذرعها في لبنان والعراق واليمن، بعد أن تفكّكت الساحات وهزلت إمكاناتها بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل ممّا غيَّر الخارطة الأمنيّة الإيرانيّة في الشرق الأوسط

توازياً، حُرمت إيران من أذرعها في لبنان والعراق واليمن، بعد أن تفكّكت الساحات وهزلت إمكاناتها بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل ممّا غيَّر الخارطة الأمنيّة الإيرانيّة في الشرق الأوسط بشكل جذريّ.

ولا يمكن قراءة المشهد الإيرانيّ الذي سينبعث من تحت رماد مقرّ خامنئي، بمعزل عن انتفاضة الإيرانيّين الأخيرة والمستمرّة بأشكال مختلفة في شوارع البلاد. فقد قدّم مقتل المرشد للمعارضة الداخليّة لحظة تاريخيّة لاستعادة المبادرة وكسر حاجز الخوف مجدّداً، بل عزّز حتّى التوجّهات الانفصاليّة القصوى واحتمال التفكّك الجغرافيّ لا سيما في كردستان وبلوشستان. لم يعد الاحتمال الأخير تصوّراً مجرّداً بل واقع ميدانيّ يتطوّر في ضوء فقدان طهران القدرة على توجيه وحدات القمع المركزيّة بكفاءة.

وعليه، فإنّ إيران التي نعرفها قد انتهت ليلة 28 شباط، وما تتّضح معالمه أمامنا يُختصر بثلاثة مسارات:

1-  انتفاضة شعبيّة تسرّع عمليّة التآكل الداخليّ، بحيث تفيض الشوارع بالجموع، التي شهدناها مؤخّراً وتتصدّع وحدات الحرس الثوريّ والباسيج. يتسلّل التمرّد إلى الأجهزة الأمنيّة التي نال منها الإنهاك بعد ثمانية عشر شهراً من الإخفاق الاستراتيجيّ، وترفض وحدات منها الانصياع لأوامر إطلاق النار. في هذا المشهد، لا يسقط النظام فحسب، بل “يتحلّل” ويتلاشى، من دون أفق واحد لإيران الجديدة.

2- انقلاب عسكريّ صريح، يقوده فصيل من فصائل الحرس الثوريّ المتناحرة لحكم البلاد بالحديد والنار، وإدارة عمليّة استيلاد قسريّة لمرشد جديد عبر حوزة قم، قد يكون مجتبى خامنئي، الذي لا تزال المعلومات عن مصيره شحيحة، أو  غلام حسين محسني إيجئي، وهو ما سيواجَه برفض دوليّ وحرب استنزاف جوّيّة لا تنتهي.

3- التشرذم القاتل في غياب فصيل واحد قويّ قادر على الحسم لوحده ما يكفي للحسم. سنشهد عمليّة تجاذب معقّدة بين الحرس الثوريّ، ورجال الدين، والإصلاحيّين والتكنوقراط المحيطين ببزشكيان تأخذ البلاد في اتّجاهات متضاربة. وفق هذا السيناريو تصير إيران فضاءً متنازعاً عليه، تائهة بين بنية تحتيّة نوويّة معلّقة، وأذرع إقليميّة ضعيفة، وسلطة مركزيّة غائبة. وهذا بلا شكّ هو المآل الأكثر خطورة على الإطلاق. وهو يلتقي مع مآلات السيناريو الأوّل في أنّه ينطوي على تهديد للدولة نفسها وليس للنظام السياسيّ فيها.

في الحالات الثلاث، يبدو أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” دخلت طورها الأخير، والمجتمع الدوليّ مطالَب الآن بالاستعداد لتبعات “سقوط العملاق” الذي قد يغيّر توازنات الطاقة والأمن العالميّ لعقود قادمة.

كلّ شيء مختلف هذه المرّة. توفّي الخميني في ذروة شرعيّة النظام، حيث كانت الحماسة الثوريّة لا تزال حيّة، والحرب مع العراق قد ولّدت سرديّة قوميّة متينة، تبنّاها جزء كبير من المجتمع الإيرانيّ المعبّأ أيديولوجيّاً. في المقابل قُتل خامنئي، في ظلّ واقع مناقض تماماً، يختصره نزيف الشرعيّة المتفاقم في السنوات الأخيرة.
أمضى خامنئي فترة حكمه يمنع بفاعليّة ظهور أيّ خليفة يتمتّع بمصداقيّة، لأنّ أيّ وريث قويّ كان من شأنه أن يمثّل تهديداً لسلطته

احتجاجات 2025-2026، والانهيار الدراميّ لميليشيات محور المقاومة وسقوط نظام الأسد لم تكن هذه مجرّد اضطرابات سياسيّة، بل تآكل متتالٍ للرؤية الأيديولوجيّة التي أعطت النظام شرعيّته.

إلى ذلك أمضى خامنئي فترة حكمه يمنع بفاعليّة ظهور أيّ خليفة يتمتّع بمصداقيّة، لأنّ أيّ وريث قويّ كان من شأنه أن يمثّل تهديداً لسلطته. وشطبت الاغتيالات و”الحوادث” كما حصل مع قاسم سليماني وإبراهيم رئيسي احتمالات الورثة الجدّيّين. هذا هو بالضبط الفخّ الذي بناه خامنئي حول نفسه، وحول الجمهوريّة. كما أنّ النظام الفتيّ الذي سمح للخمينيّ بأن يصعِّد خامنئي للوراثة في كنف هاشمي رفسنجاني، رغم افتقاره للمكانة العلميّة، لا يشبه في شيء النظام المترهّل الحاليّ الذي لا يملك رصيد شرعيّة، يمكّنه من تسليف وريث جديد.

لم يحضر هذا الملمح بعد في النقاش السياسيّ حول مستقبل إيران. لكنّ التاريخ الحديث يقدّم لنا نموذجين لسقوط الدول الثيوقراطيّة المسلّحة. نموذج أفغانستان حيث ملأت قوّة عسكريّة واحدة الفراغ وأعادت إنتاج النظام بشكل أكثر بدائيّة، ونموذج السودان حيث أفضى غياب المرجعيّة الجامعة إلى حرب أهليّة بالوكالة تتقاسمها قوى إقليميّة. إيران أكبر وأعقد من النموذجين، لكنّها تحمل عناصر من كليهما وهذا بالضبط ما يجعل تفكّكها المحتمل أشدّ خطورة على النظام الإقليميّ برمّته.

arabstoday

GMT 04:37 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

رفاق كليلة

GMT 04:14 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

الحرب وما بعدها

GMT 04:13 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

إيران بلا مرشد

GMT 04:12 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات

GMT 04:11 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

الإنسان الفرط ــ صوتي

GMT 04:09 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

ضحايا مذبحة «التترات»!

GMT 04:07 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

سر (الست موناليزا)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سقوط “عمود الخيمة” أيّ إيران بعد مقتل خامنئي سقوط “عمود الخيمة” أيّ إيران بعد مقتل خامنئي



نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ العرب اليوم

GMT 15:41 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

خامنئي سيلقي خطاباً خلال دقائق

GMT 09:17 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

بورصة الكويت توقف التداول حتى إشعار آخر

GMT 18:46 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

طائرة مسيرة تستهدف مطار الكويت الدولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab