بقلم : جبريل العبيدي
لعل المتصفح لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار قد وجدها تنص في المبادئ الأساسية على أن «للسفن الحق في المرور العابر عبر المضايق الدولية، ويجب على الدول الساحلية ألا تعيق الملاحة أو تُعطلها».
فالجهود الدولية لإعادة الملاحة في مضيق هرمز كانت واضحة في تصريحات أغلب المسؤولين الدوليين، ومنها تصريح أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية: «الإغلاق المستمر لمضيق هرمز يسبب أضراراً كبيرة، واستعادة حرية الملاحة ذات أهمية قصوى بالنسبة إلينا»، وأيضاً تصريح رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر: «من الحيوي أن نعيد فتح المضيق بشكل كامل، وهذا هو المجال الذي ركزنا عليه كل جهودنا في الفترة الأخيرة، وسنواصل ذلك»، ويتناغم ذلك مع تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المعارض للحرب، حيث قال: «نعم لاستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز»، وجميعها تصريحات تؤكد على ضرورة فتح المضيق من دون الانجرار إلى الحصار والحرب، فشبح عودة الحرب يزيد من المخاوف بشأن استقرار الأمن العالمي، وارتفاع أسعار وإمدادات الطاقة، ويجعل المضيق محوراً رئيسياً في أي عمليات عسكرية أو تفاوضية بعد أن تضع الحرب أوزارها، خصوصاً في ظل تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الولايات المتحدة ستباشر «ضرب وتدمير» منشآت الطاقة الإيرانية، وعلى رأسها الأكبر حجماً، إذا لم تلتزم طهران بفتح الممر المائي بشكل كامل، بينما طهران تقول إنها منفتحة على التعاون مع المنظمة البحرية الدولية والدول المعنية بسلامة الملاحة والعبور الآمن.
مضيق هرمز بموقعه الجغرافي يعد ضمن أكبر منطقة منتجة للنفط في العالم، وهو مضيق مائي دولي وليس إيرانياً كما تحاول إيران صبغه وضمه للجغرافيا الإيرانية، في مخالفة صريحة للجغرافيا وحقوق جيران الممر المائي الذي يقع بين شبه جزيرة مسندم العُمانية جنوباً والأراضي الإيرانية شمالاً، ويبلغ طوله 280 كيلومتراً، أما عرضه فيصل إلى 56 كيلومتراً، إذ إن الممرات المخصصة للدخول والخروج لا تتجاوز 3 كلم عرضاً، مما جعله من أضيق الممرات الملاحية رغم اتساعه الجغرافي ولكن ضيقه الملاحي جعله عنق زجاجة للاقتصاد العالمي.
ولهذه الأسباب أصبح من الضروري أن يعاد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة مجدداً، فالمضيق أصبح عنق زجاجة للاقتصاد العالمي، لأنه يمر عبره يومياً نحو ثُلث النفط العالمي وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. وقدّرت وكالة الطاقة الدولية مرور نحو 20 مليون برميل نفط يومياً عبر المضيق، ومما يعقّد الممر المائي في المضيق هو الممرات المخصصة للدخول والخروج التي لا تتجاوز 3 كلم عرضاً، مما يتسبب بالازدحام الملاحي، ويجعل الملاحة عُرضة لأي تعطيل أو هجوم، بل مما يتسبب في خنق الإمدادات الغذائية بالمنطقة، مما يجعلها في خطر غذائي، خصوصاً أن أغلب واردات الغذاء الإقليمية تمر عبر هرمز، مما تسبب في ارتفاع فاتورة الغذاء.
الواقعية السياسية تحتم على السياسيين في إيران النظر في التغيرات الكبرى في العالم، وفي خريطة التكتلات والتموضعات ومحاولات القوى الكبرى إعادة رسم خريطة المنطقة بما يتماشى مع نفوذ ومصالح هذه الدول، الأمر الذي يحتم العودة إلى التفاوض والحل السياسي.
الإدارة الأميركية تنظر إلى إيران خالية من النووي والباليستي، بغض النظر عمن سيحكم البلاد، أما دولياً ليس هناك إجماع على تغيير النظام في طهران، فالرئيس الفرنسي ماكرون، مثلاً، لا يتفق مع ترمب بشأن تغيير النظام، حيث قال: «أكبر خطأ اليوم هو محاولة تغيير النظام في إيران بالوسائل العسكرية».
إيران بلد يحوي قوميات متعددة بلغات متعددة، سيكون بعضها متربصاً بتفكيك النظام السياسي أو تغييره، وبالتالي الدخول إلى عالم الفوضى، والتغيير يبقى شأناً داخلياً إيرانياً، وقد يكون مطلب «الإصلاح» الحقيقي لا التجميلي هو الأكثر واقعية، ولذلك أعتقد أن على إيران إعادة ترتيب البيت الداخلي، فالحرب كما رأينا قاسية جداً وتمنح دروساً مستفادة يمكن إعادة قراءتها وتحليل مضمونها لإعادة إيران إلى استقرارها مجدداً من خلال تكاتف الجبهة الداخلية لا من خلال القوة العسكرية الخارجية، فإيران في واقعها الجيوسياسي بلد مسلم في محيط عربي مسلم، وذلك يمكن أن يُشكّل قاطرة تعاون تجاري واقتصادي وصناعي إقليمي في المنطقة بعيداً عن تصدير «الثورة».
فتح المضيق أمام العبور الآمن للسفن بعيداً عن الصفقات وتهديدات الألغام، سيكون هو التجاوب الإيجابي لإنهاء الحرب ومسبباتها، مما سيحول وقف إطلاق النار إلى سلام دائم.