بقلم : جبريل العبيدي
«إن لم تبرم إيران اتفاقاً فسنستخدم قاعدة دييغو غارسيا»، كانت تلك كلمات الرئيس الأميركي ترمب، في إشارة إلى القاعدة التي انطلقت منها القاذفات التي ضربت المفاعلات الإيرانية خلال حرب الاثني عشر يوماً.
تهديد ترمب باستخدام قاعدة دييغو غارسيا قابله رد إيراني بالقول: «إذا تعرضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية لعدوان عسكري، فسوف تردّ رداً حاسماً ومتناسباً، فهذه التصريحات العدائية... مجرد كلامٍ فارغ، بل تُشير إلى خطر حقيقي لعدوان عسكري ستكون عواقبه كارثية على المنطقة، وسيكون تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».
في مقابل التصريحات النارية قال عباس عراقجي إن الجانبين الأميركي والإيراني توصلا إلى «مجموعة من المبادئ التوجيهية»، وإن «الطريق بدأ من أجل التوصل لاتفاق»، إلا أن الفريقين لا يزالان بعيدين عن التوصل لاتفاق.
قاعدة دييغو غارسيا تعتبر منصة انطلاق للقاذفات الاستراتيجية مثل «بي-2» وقاذفات الشبح، بالإضافة إلى دورها الاستخباراتي والتنسيقي بين الأساطيل البحرية والجوية الأميركية. ولكن رغم التحشيد الأميركي غير المسبوق، ورغم بيان الجيش الأميركي للرئيس ترمب بأن الجيش استكمل الجاهزية للهجوم، فإن التردد واضح، خاصة في ظل تخوف لدى ترمب من فشل الهجوم؛ لأن إيران ليست جغرافيا صغيرة، بل هي بلد مترامي الأطراف، وفي ظل تخوفات من إنتاج إيران قنبلة نووية بدائية غير محمولة على رأس باليستي، بل ممكن حملها على قوارب انتحارية تهاجم حاملة الطائرات «أبراهام لينكون»، وقد تغرقها، بل هناك تخوفات من تسلم إيران صواريخ نوعية فرط صوتية، يمكن أن تحدث فارقاً في المعركة، خاصة أن الصين وروسيا تعتبران إيران حليفاً استراتيجياً مهماً لهما.
في المقابل، تبقى الواقعية السياسية تحتم على السياسيين في إيران قراءة الواقع، والنظر في التغيرات الكبرى في العالم، وخريطة التكتلات والتموضع، ومحاولات القوى الكبرى إعادة رسم خريطة المنطقة بما يتماشى مع نفوذ ومصالح هذه الدول.
فالرئيس الأميركي دونالد ترمب مستعد لشن هجوم عسكري موسع على إيران، بحسب ما أفادت به صحف أميركية نقلاً عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، في الوقت الذي يحشد فيه «البنتاغون» قوة ضاربة هائلة في الشرق الأوسط، تؤكد أنَّها لن ترجع بخفي حنين بالتأكيد، خاصة بعد وصول حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد آر فورد» وسفنها الحربية المرافقة. ولكننا نرى من جهة أخرى، رغم هذا التحشيد، أن كبير المفاوضين الأميركيين نفسه قال إن «تغيير النظام في إيران أمر غير مقبول»، في ظل الرفض المتنامي لأي محاولة لتغيير النظام في إيران بالقوة العسكرية، وخاصة أن تجارب التغيير التي قادتها أميركا سابقاً كانت كارثية، وقادت إلى الفوضى العارمة، وانتشار الميليشيات والسلاح، فما بالنا ببلد بحجم إيران؟!
إيران بلد يحوي قوميات متعددة بلغات متعددة، ناهيك بقوميات أخرى ستكون جميعها متربصة بتفكك النظام السياسي أو تغييره، لإعلان مطالبها ووجودها ولو على حساب الفوضى، بالتالي القبول بإيران موحدة بنظام منزوع «النووي» أفضل من تغيير النظام السياسي، وكما قال الرئيس بوش سابقاً: «من الممكن القبول بوجود النظام الإيراني منزوعاً السلاح النووي»؛ لذا فمن الأفضل للمنطقة بأسرها حل هذا الخلاف بين واشنطن وطهران سلمياً.
إيران، بغض النظر عن نوع النظام الحاكم فيها، بلد مسلم في محيط عربي مسلم، يمكن أن يشكل قاطرة تحول صناعي تجاري بين أقاليم المنطقة، بعيداً عن الاستقواء وتصدير منهج «الثورة»، الذي لا يناسب الواقع المجتمعي والسياسي في المنطقة، بل يتسبب في كارثة الفوضى والتفكك التي ستعود بالضرر على المنطقة بأكملها.
ولهذا نقول لقد آن الأوان الآن لإيران أن تترك ما وراءها وتتجه إلى البناء والتقدم والازدهار؛ لأنَّ لديها كل الإمكانات لفعل هذا؛ فهي علاوة على كونها بلداً نفطياً مهماً، فهي تمتلك ثروات ضخمة على امتداد مساحتها الجغرافية، من مياه ومعادن، وصناعة غذائية عالية الجودة، وأماكن سياحية خلابة؛ لذا فعلى إيران أن تعود لشعبها، وتنهي هذه المأساة والمعاناة، وتكون رافعة اقتصادية للمنطقة بأسرها.