رأي في عقول معاصرة

رأي في عقول معاصرة!

رأي في عقول معاصرة!

 العرب اليوم -

رأي في عقول معاصرة

بقلم - محمد الرميحي

 

 

في تغريدة حصدت خلال أيام نحو مائتي ألف متابع انهالت التعليقات عليها، والتغريدة كانت كالتالي:

«منع التعليم المشترك... بعده... لا سفر للمرأة دون محرم... بعده... فصل الرجال عن النساء في العمل... بعده... منع عمل المرأة... بعده منع تعليم المرأة... بعده... الاستيلاء على الوطن ودمجه مع «الدولة العظمي المتخيلة» فاربطوا الأحزمة...». مناسبة التغريدة هي الضجة التي صاحبت اقتراح بعض أعضاء مجلس الأمة الكويتي بفرض فصل البنين عن البنات في التعاليم العالي، حسب فهمهم لقانون قديم صدر في التسعينات وله ظروفه، مع أن المحكمة الدستورية قضت بأن الفصل يتم في قاعة التدريس وليس في قاعات تدريس مختلفة.

حدثت ضجة في المجتمع الكويتي حول هذه القضية، كلٌّ أدلى بدلوه معارضاً أو موافقاً، مع تشعب الآراء واختلافها، إلا أن اللافت أن هناك من لا يوافق على التغريدة وأخذ الموضوع –حسب فهمه وقدرته- إلى أماكن أخرى، أستأذن القارئ بعرض بعضها، لأنها هي (أي تلك الردود) صلب هذا المقال. من الردود ما يلي:

«الله يسمع منك ويحقق كل ما قلت»، أي كل ما قلت نرجو أن يتحقق، في نبرة لا تخلو من «السخرية». وآخر قال: «انت ليش زعلان». وآخر قال: «وماذا تسمي حفلات الترفيه المختلطة». وآخر قال: «الذي يطيع الإسلام أصبح منحرفاً»! وآخر قال: «الإسلام حرّم الاختلاط ولم يحرم التعليم». وآخر: «منع الاختلاط وسفر المرأة بلا محرم أمر إسلامي، وفصل الرجال عن النساء بأمر إسلامي». وآخر قال: «من أغبى ما قرأت». وآخر قال: «بوق من أبواق الشيطان». وآخر قال: «القدْح في من يتبع الدين قديم»... ذلك بعض وليس كل التعليقات، لأنها من الكثرة التي ربما لا تتسع لها مساحة مقال.

إذاً هي معركة كلامية بالغة العنف وعابرة بين رجال ونساء ومحليين ومحيطين، تبتعد في رأي عن النقاش الفكري ولا تتورع عن مهاجمة الأشخاص في دينهم أو أخلاقهم.

ليست تلك المعركة الكلامية جديدة في تاريخنا، لقد مررنا بتجارب مريرة، فكلما جاء جديد، هو إما «غربي مفروض علينا» وإما «مضاد للدين»، على سبيل المثال لا الحصر، وقفت المطبعة الحديثة على أبواب العالم الإسلامي لمدة ثلاثة قرون كاملة، لأن «شيخ دين» أفتى بحُرمتها في البلاط العثماني آنذاك، وتقدمت أوروبا بسبب وجود المطبعة وطباعة عشرات الكتب في العلوم الحديثة، ولم تدخل المطبعة إلا مع الحملة الفرنسية على مصر في الهزيع الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي، في بداية القرن الماضي أفتى الشيخ محمد عبده، نتيجة سؤال قادم من مسلم في جنوب أفريقيا، ما إذا كان يحق له لبس القبعة وهو يعمل مزارعاً في الشمس، فأفتى الرجل المستنير بلبسها، وتم الهجوم عليه إلى درجة إخراجه من الملّة. كما حصلت مجتمعاتنا على فتوى من قبل بتحريم استخدام البارود في الحروب، لأنها من صنع «الكفار». بل في وقت ما حُرم الطربوش وحتى لبس البنطلون. والمعاصرون يمكن أن يتذكروا أن «لبس المرأة البنطال حرام أيضاً»!

مثل تلك الأفكار التي تنقلب إلى تصرفات في الكثير منها «عمياء»، كما يفعل «داعش» و«القاعدة» في أيامنا، هي التي جعلت ما يُعرف بـ«رهاب الإسلام» في مناطق كثيرة من العالم ينتشر.

أيُّ عارف بالإسلام على يقين أن مقاصد الإسلام السمحة لا تتناقض مع مبادئ الحضارة الحديثة، وليس من العقل أن يكون اثنان من كل ستة أشخاص تقريباً ممن يعيشون على الأرض اليوم هما من المسلمين، ولكن معظمهم جامعاتهم مشتركة بين البنين والبنات، ويعيشون تحت أنظمة حديثة بل بعضها متطور، أي إنهم جسّروا التراث مع الحداثة.

في فضائنا القريب ولأسباب سياسية بلغت «الهوية الإسلامية» حد التأزم، إلى درجة الخلط بين مبادئ الإسلام السمحة والتقاليد القبلية أو الجهوية الضيقة، بل الخرافات، إلى درجة إنتاج أنواع من الإسلام الحركي أدى إلى خلق ثنائية مأزومة بين الحديث وبين التراث.

لذلك فإنّ من علّق على تلك التغريدة بالسالب لا يلام كشخص، فهو نتيجة تعليم وتثقيف طويل الأمد حصل على قشور من الأفكار الإسلامية، وليس على فهم عقلي ومنطقي للدعوة المحمدية، التي هي في جوهرها لا تتناقض مع مسايرة الزمن في المعاملات، ولو فكر بعضهم في المحيط بعقل مفتوح لما وجد اليوم «أسواقاً للنخاسة وبيع العبيد في الدولة العربية أو الإسلامية قاطبة» ولن يجد «سارقاً قُطعت يده»، كما لو فتش في كل التاريخ فلن يجد مؤسسة تسمى «مجلس الأمة» يُنتخب في فترات محددة، ويحكمه دستور حديث ينظم العلاقة بين السلطات الكبرى في المجتمع.

ثنائية التواؤم مع الحديث أو القطيعة معه، إحدى مشكلات الثقافة الإسلامية الحديثة، وهي من المشكلات التي لم يُبذَل جهد فكري حقيقي لمناقشتها إلا ما ندر، فقد تم فرض «الاختيار العشوائي للتراث» على مدارسنا وجامعتنا وإعلامنا، وتفجر ذلك الانتقاء العشوائي بسبب وسائل اتصال «اخترعها الغرب بالمناسبة» فأصبح لدينا سيل من الانتقاء العشوائي للمعلومات، إلى درجة أن أصبح السجال مشوشاً ومجحفاً ومشوباً بالعاطفة وبعيداً عن العقل، لذلك نجد أن الاتهام يأتي قبل النقاش العقلي، و«تأكيد» الذهاب إلى «جهنم» قبل الإيمان بأن ذلك من حق الرب وليس من حق المخلوق، والتحق القوم بالقشور بدلاً من البحث المضني عن المقاصد ذات البعد الكوني والإنساني.

لا مناص من القول: إن الدين بشكل عام هو جزء من هوية المجتمع، حتى في بلد مثل فرنسا التي قررت في قانون صدر عام 1905 فاصلاً بين الدولة والدين، يرى كثير من أوساطها اليوم أن الدين المسيحي والكاثوليكي على وجه التحديد جزء من هويتها الوطنية وذاكرتها التاريخية. كما أنه في الولايات المتحدة لا يمكن في الغالب لرئيس أن يُنتخَب دون أن يتحدث عن الله، لذلك من غير المنطق فصل الدين عن المجتمع، إلا أن عمود القضية الأساسي: أيُّ تفسير للنصوص التراثية نأخذ به؟ ولقد تحدث قبلنا كثيرون من مفكري الإسلام المجددين أن الثابت في الإسلام هو العقيدة والعبادات، وبقية ما يصادف المجتمعات هي «معاملات» تخضع بالضرورة للعقل والمصالح العامة وتغير الزمن، وأخطر ما يمكن على الممارسة الدينية أن تخلط خلطاً غير صحي بين الثابت والمتحول، ذلك ما يُسمم إلى اليوم النقاش العام في مجتمعاتنا.

آخر الكلام:

في المجتمعات الحديثة من حق الأفراد أن يعتقدوا بما يريدون، ولكن ليس من حقهم فرض قناعاتهم في شكل تشريع على الجميع!

arabstoday

GMT 20:40 2024 الأحد ,06 تشرين الأول / أكتوبر

عندما يعلو صوت الإبداع تخفت أصوات «الحناجرة»

GMT 06:23 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

المبحرون

GMT 06:20 2024 الأربعاء ,10 تموز / يوليو

قرارات أميركا العسكرية يأخذها مدنيون!

GMT 06:17 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

تسالي الكلام ومكسّرات الحكي

GMT 06:14 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

كيف ينجح مؤتمر القاهرة السوداني؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رأي في عقول معاصرة رأي في عقول معاصرة



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 21:48 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بزشكيان يمنح المحافظين صلاحيات استثنائية تحسبا للحرب
 العرب اليوم - بزشكيان يمنح المحافظين صلاحيات استثنائية تحسبا للحرب

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 العرب اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 20:10 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يتعهد بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة
 العرب اليوم - نتنياهو يتعهد بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة

GMT 20:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ترامب يروج لفيلم ميلانيا الوثائقي والتذاكر على وشك النفاد
 العرب اليوم - ترامب يروج لفيلم ميلانيا الوثائقي والتذاكر على وشك النفاد

GMT 16:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

موجة برد قطبية تضرب الولايات المتحدة وتودي بحياة 11 شخصا

GMT 15:35 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يعلن استعادة جميع الرهائن من قطاع غزة

GMT 17:42 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

البرهان يتعهد بإنهاء التمرد في السودان نهائيا

GMT 17:26 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يعلن أن المرحلة المقبلة ستشهد نزع سلاح حماس

GMT 21:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

لطيفة تحيي ذكرى يوسف شاهين بلحظات مؤثرة لا تُنسى

GMT 12:20 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الجيش الإسرائيلي يقتل فلسطينيين اثنين في قطاع غزة

GMT 09:14 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

شهيد ومصابون وقصف إسرائيلي لمناطق عدة في غزة

GMT 09:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

جيش الاحتلال الإسرائيلي يصيب 5 فلسطينيين بالضرب في بلاطة

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 07:46 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

زلزال بقوة 4.1 ريختر يضرب جنوبي تركيا

GMT 09:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

جيش الاحتلال الإسرائيلي يشن حملة اعتقالات واسعة في طولكرم

GMT 08:14 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

زلزال بقوة 5.1 درجة على مقياس ريختر يضرب غرب تركيا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab