ضباب الحرب في واشنطن

ضباب الحرب في واشنطن

ضباب الحرب في واشنطن

 العرب اليوم -

ضباب الحرب في واشنطن

بقلم : عثمان ميرغني

من يحاول فهم الحرب الراهنة في المنطقة من خلال تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأركان إدارته، يدخل في متاهة عميقة. فالتضارب في التصريحات حول أسباب الحرب، وأهدافها، وكيفية إنهائها، كان سمة بارزة في الخطاب الصادر عن واشنطن، متسبباً في حيرة وارتباك واسعين.

في مناسبتين مختلفتين يوم الاثنين الماضي أعلن ترمب أن الحرب «اكتملت تقريباً»، وأن الهدف العسكري «أُنجز إلى حد كبير»، في ما بدا إشارة إلى أن العمليات العسكرية في نهايتها. لكن في اليوم ذاته نشرت وزارة الحرب الأميركية تغريدة تقول فيها: «لقد بدأنا القتال للتو»!

كان طبيعياً أن يلتقط الصحافيون هذا التناقض بين الرئيس ووزارة حربه. وعندما سألوا ترمب لاحقاً أي الروايتين أدق -تصريحه أن الحرب «انتهت تقريباً» أم كلام الوزارة «أنها بدأت للتو»- جاء رده مثيراً للمزيد من الحيرة حين قال: «حسناً، أعتقد أنه يمكن أن تقول كلا الأمرين (صحيح)»!

غير أن هذا الارتباك لم يكن حادثة عابرة، بل بدا أقرب إلى السمة الغالبة في خطاب واشنطن منذ بداية الحرب. فخلال الأسبوع الأول وحده قدمت الإدارة الأميركية سلسلة من التفسيرات المختلفة للعملية العسكرية، تباينت في مضامينها وتناقضت أحياناً. فمع انطلاقها وصفها ترمب بأنها رد على عقود من العدوان الإيراني، ومهمة لتدمير برنامج الصواريخ، ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي، وفرصة للشعب الإيراني للإطاحة بحكومته.

وزير الحرب بيت هيغسيث كان متفقاً مع الرئيس بشأن الأهداف العامة للحرب، لكنه حاول أن يقول إن تغيير النظام ليس هدفاً، وإن كان قد شجع الإيرانيين في الوقت نفسه على استغلال الفرصة لتغيير حكومتهم. في هذه النقطة كان الارتباك واضحاً، لأن الضربة التي استهدفت القيادات الإيرانية وأدت إلى مقتل المرشد علي خامنئي في الساعات الأولى من الحملة، عززت الاعتقاد بأن العملية العسكرية لا تقتصر على احتواء الخطر النووي والصاروخي الإيراني، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة تغيير النظام بأكمله، أو فرض تغييرات في بنيته من دون إطاحته، أي تغيير على غرار سيناريو فنزويلا.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قدم بدوره تفسيراً مختلفاً لشن العمليات، إذ قال إن الولايات المتحدة تحركت لأن إسرائيل كانت تخطط لضربة عسكرية على أي حال، وأن إيران كانت سترد بالهجوم على القوات الأميركية، لذلك تحركت واشنطن بشكل استباقي. هذا التصريح أثار ردود فعل واسعة، لأنه أوحى بأن إسرائيل هي من وضع أميركا أمام الأمر الواقع، وجرتها للحرب.

لكن ترمب سارع إلى رفض هذا التوصيف، مؤكداً أن قرار الحرب كان قراره الشخصي بالكامل وليس نتيجة ضغط إسرائيل. وقال للصحافيين إن التقارير التي كان يتلقاها من مستشاريه جعلته يقتنع بأن إيران كانت على وشك الهجوم أولاً، لذلك قرر التحرك قبلها.

هذه التباينات تثير التساؤلات لأنها تكشف غياب هدف متسق للحرب. وإلى جانب هذا الغموض الاستراتيجي، بدأت تظهر مؤشرات أخرى على وجود ثغرات في التنسيق العملياتي بين واشنطن وتل أبيب. اللحظة الأكثر دلالة جاءت عندما قصفت إسرائيل مستودعات الوقود الإيرانية، ما أدى إلى اندلاع حرائق ضخمة وأثار اضطراباً في أسواق النفط العالمية. وكان رد الفعل في واشنطن صريحاً على نحو غير معتاد. فقد أقر مسؤولون أميركيون كبار بأن تلك الهجمات تجاوزت بكثير ما كانوا يتوقعونه، فيما دعا السيناتور ليندسي غراهام - أحد أبرز داعمي نتنياهو ومن أشد مؤيدي الحرب - إسرائيل علناً إلى «توخي الحذر» في اختيار أهدافها.

تكشف هذه الواقعة عن قلق أعمق في واشنطن. فالمسؤولون الأميركيون يخشون أن تتعامل إسرائيل مع الحرب كأنها شيك على بياض وتختار الأهداف وفق منطقها الخاص. فالمنشآت النفطية تمثل نقطة شديدة الحساسية، لدول المنطقة فحسب، بل للاقتصاد العالمي برمته. كما أن أي تصعيد إضافي قد يهدد الملاحة في مضيق هرمز ويدفع العالم نحو صدمة اقتصادية حادة.

التطور المقلق الآخر يتمثل في التحول التدريجي في اللغة المستخدمة في سياقات الحرب. فبدلاً من الاعتماد حصراً على المبررات العسكرية والأمنية، بدأت بعض الأصوات تقحم خطاباً دينياً صريحاً. وإلى جانب تصريحات نتنياهو المتكررة ذات الحمولة التوراتية، استخدم وزير الحرب الأميركي هيغسيث أيضاً لغة تحمل ظلالاً لاهوتية عند الحديث عن الحرب، واختتم مخاطبته للعسكريين الأميركيين بعبارات واقتباسات دينية.

خطورة هذا الأمر ليست في الجانب الخطابي فحسب، بل في نتائجه الاستراتيجية أيضاً. فالحرب التي تدور حول أهداف واضحة مثل تدمير الصواريخ أو المنشآت النووية يمكن نظرياً أن تنتهي عندما تُفكك تلك القدرات. أما إقحام الكلام عن حرب دينية بشكل صريح أو مستتر، فهو أمر مقلق لأنه يخاطر بتحويل مواجهة جيوسياسية إلى مواجهة أكثر تعقيداً وخطورة.

كل هذه الأمور تضيف إلى الجدل والقلق حول مسار الحرب، وكيف ومتى يمكن أن تنتهي، في وقت أحوج ما تكون فيه المنطقة والعالم إلى وضوح في الرؤية لتجنب مزالق المواجهات الطويلة، والحروب المتمددة.

arabstoday

GMT 06:50 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

تسمية جديدة

GMT 06:47 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

الآن هنا... أو شرق المتوسط مرّة أخرى!

GMT 06:46 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

«حزب الله» على سلاحه وإسرائيل على عدوانها!

GMT 06:36 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

حالة الحرب وضرورة صناعة الوعي

GMT 06:34 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

الصداقة عند الفراعنة

GMT 06:31 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

موت الأخلاق

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ضباب الحرب في واشنطن ضباب الحرب في واشنطن



نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ العرب اليوم
 العرب اليوم - طرق سريعة وآمنة لإنقاص الوزن حسب خبراء التغذية

GMT 00:48 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

الشهيد والشهادة.. عبدالمنعم رياض ملهمًا!

GMT 03:08 2026 الثلاثاء ,10 آذار/ مارس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 10 مارس / أذار 2026

GMT 03:28 2026 الثلاثاء ,10 آذار/ مارس

لبنان وعودة الدولة إلى دورها الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab