مثلَما ألهمتْنا بصوتِها الملائكى وبفنِّها الراقى، وهو الغناءُ الذى يسمو بالأرواحِ والعقولِ، تُلهمنا السيّدةُ «فيروز»، أيضًا، إنسانيًّا، فهى الأُمُّ الحزينةُ التى فقدتْ ثلاثةً من أبنائِها، وبقيتْ شامخةً كشجرةِ «سنديانْ»!
مَنْ منا لا يُحبُّ جارةَ القمرِ، ومَن مِنا لا يملكُ ذكرياتٍ مع صوتِها العذبِ؟! كلُّنا أحببنا صوتَها الملائكى، وهى تحملُنا إلى النجومِ، إلى الأحلامِ، إلى الفرحِ!
شهدَ لها الشاعرُ اللبنانى الكبيرُ «سعيد عقل» بأنَّها سفيرةٌ إلى النجومِ، نعم هى «سفيرتُنا إلى النجومِ»، وذلك تعبيرًا عن تميّزِ صوتِها ورقىّ فنّها الذى تجاوزَ حدودَ الأرضِ إلى آفاقِ النجومِ!.
هى سيّدةُ الصمتِ والنشيدِ الحزينِ، أيقونةُ الصبرِ، مثلَما هى أيقونةُ الغناءِ، هى فيروزُ الأُمُّ الثكلى التى فقدتْ ثلاثةً من أبنائِها، «ليال» البنت الصغرى، ثم «زياد» الملحن المعروف، والذى صنعتْ معه أجملَ أغانيها، وقد قال فى حوارٍ له، إنَّ من أجملِ ألحانِه لفيروز، هو لحنُ أغنيةِ «حبيتكْ ت نسيتْ النوم»، لكنَّ تراثَه معها كلَّه رائع، ومؤخرًا «هلّى»، ابنها الأصغر؛ فى أغنيتِها (سلِّمْلى عليه.. قوله إنى بسلّمْ عليه)، نستطيعُ أن نسمعَ حنينَ الأمِّ وحبَّها لطفلٍ وُلدَ عاجزا، لكنَّها ظلتْ ترعاه وتُضحى بالكثيرِ من أجلِه.
وبعضُ المعلوماتِ المتداولة حول هذه الأغنية التى لحنها «زياد الرّحبانى»، تروى أنَّ «فيروز» شاركتْ فى صياغةِ كلماتِها، لتكونَ إهداءً خاصًا إلى «هلّى»، ابنِها الأصغرِ، الذى عاشَ حياتَه بعيدًا عن الأضواءِ بسببِ معاناتِه الطويلةِ، فقد كان من ذوى الهِّمّمِ،؛ واسم «هلّى» يعنى بالعاميةِ اللبنانية «أهلى»، وقد كان، حقًا، الأقربَ إلى قلبِها، وكلَّ أهلِها وعالَمِها!.
رحمَ اللهُ أبناءَها جميعًا، وزوجَها «عاصى الرَّحبانى».
(أنا الأُمُّ الحزينة وما مَنْ يعزّيها فليكنْ موتَ ابنِكِ حياةً لطالبيها)·
تُرى هل كانتْ هذه الترنيمةُ التى تُغَنيها «فيروز» فى الأعيادِ منذ ١٩٦٢، مصادفةً؟!
فقد تحوَّلتْ إلى طقسٍ وجدانى، يُستدْعى فى لحظاتِ الفقدِ والحزنِ.
(حبيبى يا ابنى... يا وَلَداه!.. يا ملاكى على الأرضِ الذى انتقلَ إلى السماءِ)!
هكذا غنتْ فيروز لملاكِها على الأرضِ، «هلّى»!
بصمتِها المعهودِ، قالتْ كلَّ شىء!
حزنُها وصمتُها لم يكونَا- يومًا- استعراضًا، لكنَّهما وجعُ أُمٍّ ثكلى!
وهى رمزٌ للمرأةِ العربيةِ القوّيةِ.
إنَّ فيروز ليستْ مجردَّ مطربةٍ، فيروز أسطورةٌ إنسانيةٌ ملهمةٌ وخالدةٌ عبر الزمنِ.
وأقولُ فى الأخيرِ، إنَّ أىّ كلامٍ لتعزيةِ «فيروز»، يظلُّ قليلاً، أمام عظمةِ الفقدِ والألمِ، وكلَّ تعزيةٍ، تظلُّ خجولةً، أمام صبرِ فيروز الجليلِ.
ودمتِ يا فيروز، أيقونةً للفرحِ، فى قلوبِنا جميعًا، رغم كلِّ الحُزنِ!.