السيدة المعجزة

السيدة المعجزة

السيدة المعجزة

 العرب اليوم -

السيدة المعجزة

بقلم : سوسن الأبطح

«جريئة، لا تخاف. إذا أقدمت لا تتراجع، وإذا هاجمت لا تعتذر. وإذا وقفت على الأرض رفضت أن تسلم سلاحها»، هكذا كانت روزاليوسف التي جمعت إلى ذلك سحر الأنوثة والجاذبية والحنان، حسب مصطفى أمين الذي عمل معها عن قرب. وإذ تحتفل مصر هذه الأيام بـ«السيدة المعجزة» على حد قول الشاعر عبد المعطي حجازي، ومرور مائة سنة على انطلاقة مجلتها الشهيرة التي حملت اسمها، فإنما هو احتفاء بمرحلة ذهبية من تاريخ مصر والعرب أجمعين. زمن كان كل شيء فيه ينهض من سبات، والحيوية تعمّ القاهرة، وفاطمة اليوسف تسير في التظاهرات، وتجالس الرجال في المقاهي، وتخطط لفتح مجلتها، هي التي بالكاد تفكّ الحرف، إنما يملؤها الطموح، ويحركها الأمل، رغم تراجيدية مسارها.

فمن يصدق أن هذه اللبنانية الصغيرة، ولدت في طرابلس وتيتمت باكراً، وعهدت بها العائلة التي كانت تربيها إلى مسافر باتجاه البرازيل، فإذا به يتركها في الإسكندرية، ويكمل طريقه، وهي لا تزال في العاشرة، فتتحول إلى نجمة. كافحت وفي غضون سنوات، صارت اسماً مسرحياً لامعاً وهي تعمل مع كبار عصرها من عزيز عيد إلى جورج أبيض ويوسف وهبي الذي اختلفت وإياه فتركته لتلتحق بنجيب الريحاني، حيث لم يلق العمل معه هوى في نفسها.

الحبر سال مدراراً في مصر، بمناسبة المئوية، لفهم هذه الشخصية المركبة، والمثيرة لامرأة، وجدت نفسها «مقطوعة من شجرة» على حد وصف حفيدها، في بلد كبير، تشتعل فيه المنافسات، تدخل المسرح فتصبح نجمة على أغلفة المجلات، ثم تزج بنفسها في الصحافة فتتوج رائدة بين عمالقة القلم، وتخرّج دفعات من الكتّاب. وهي بشهادة الصحافي مصطفى أمين «لم تكن تعرف كيف تكتب، وكان خطها أشبه بخط طفل صغير، لكنها قارئة ممتازة وذواقة رائعة للأدب والشعر».

بقيت طفولتها اللبنانية محجوبة، لعلها لم ترد التحدث عنها، رغم كتابتها لمذكراتها. أما نضالها وقد تزوجت من ثلاثة مصريين، وأنجبت أديباً كبيراً مثل إحسان عبد القدوس، فيكشف عن سيدة قديرة، لها من العناد، والمشاكسة، والسعي اللامتناهي إلى الحرية، ما جعلها عاصفة من الحركة الذي لا تهدأ.

أمران أساسيان ساعدا هذه الفنانة لأن تنجح في الوصول إلى الصفوف الأولى. أولهما، المرحلة التنويرية التي كانت تعيشها مصر في تلك الفترة حيث تزامنت ثورتها الخاصة، مع افتتاح الجامعة المصرية، وحركة هدى شعراوي، وبروز نجم طه حسين مع صدور كتابه «في الشعر الجاهلي»، وإعجابها الشديد بالزعيم الوطني سعد زغلول وكرهها للاستعمار، ونزعتها التحررية. إذ يقال إنها أصدرت مجلتها لتكتب عن زملائها الفنانين بما يليق بهم، ومنهم من يقول بأنها أرادت أن تهجو يوسف وهبي الذي اختلفت معه، والبعض يرى أنها إنما أرادت أن تقول كلمتها في «حزب الوفد» وقائده الوطني سعد زغلول، رغم أنها لم تكن منضوية في الحزب.

لكن الأمر الآخر والحاسم الذي توجها على عرش الصحافة هو ذكاؤها الوقاد، ومعرفتها الفطرية بأنها مقتدرة بغيرها، وقد استطاعت بالفعل أن تجمع حولها فنانين وصحافيين موهوبين ورسامين، في مقدمهم محمد التابعي الذي رافقها عشر سنوات. ومع أن اسمها وحده على المجلة كان كفيلاً بأن يجعل الرجال يأنفون من العمل معها أو قراءة مجلتها، حيث كانوا يدارون الغلاف كي لا يكشف أمرهم، إلا أنها فازت في النهاية، واجتذبت غالبيتهم، بمن فيهم نجيب محفوظ ومحمد حسنين هيكل والأكثر عناداً وصدوداً عباس محمود العقاد.

في مقهى أو مبنى المجلة، كان يجتمع جماعة روزاليوسف من صحافيين ورسامين يعملون معاً كل في ميدانه، يساند بعضهم بعضاً. هكذا كان يمكن للسيدة الطموحة أن تصمد حين تصادر أعدادها، أو تساق إلى السجن، أو تعطل مطبوعتها. أمر مشابه يتحدث عنه المسرحي اللبناني روجيه عساف عن بيروت، يوم كان مقهى «الهورس شو» في الحمرا مكاناً للعمل الجماعي بين أناس مختلفين في الاختصاصات والمواهب، لكنهم يهدفون للوصول إلى أمر واحد، هو التعبير الفني بحرية واستقلالية. تلك كانت غاية روزاليوسف، التي مرة تبيع مصاغها، ومرة أخرى تخفض سعر أعدادها لتتخلص منها بالملاليم، ويسخر منها زملاؤها الفنانون، لكنها تعود وتقف شامخة. وبقيت السيدة المتمردة، تواجه الحكومات، وتختلف مع السلطات، حتى حين وصل جمال عبد الناصر إلى الرئاسة. لم تكن عدوة بل صحافية ناقدة، تريد أن تقول رأيها من دون تطويع أو تدجين، فكانت النتيجة أن سجن ابنها إحسان.

حفيدها محمد عبد القدوس لا يتردد في أن يصفها بأنها «استثنائية» و«معجزة إنسانية» بحق، بمسارها الفريد وإنجازاتها المدهشة، ثم أنها المرأة الأولى في مصر التي تحبس لأسباب سياسية، وكان ذلك في ثلاثينات القرن الماضي. ثم كيف لهذه اللبنانية أن تدخل عالم الصحافة الذي كان حكراً على الرجال، وتؤسس مجلتها، وحين تخشى عليها من الغرق، بدل أن تغلقها، تدعمها بمجموعة من المطبوعات. أي شجاعة! وأي جنون!

arabstoday

GMT 05:08 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 05:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

GMT 05:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 04:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المباراة المثالية

GMT 04:58 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

«مجلس ترامب».. أى مستقبل ينتظره؟!

GMT 04:56 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 04:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السيدة المعجزة السيدة المعجزة



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 08:57 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير
 العرب اليوم - محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير

GMT 08:07 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

مقتل 11 جنديًا سوريًا بواسطة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"

GMT 07:59 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

3 شهداء جراء استهداف الاحتلال لسيارة طاقم إعلامي وسط غزة

GMT 08:03 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الجيش الإسرائيلي يعترض طائرة مسيرة تحمل 10 أسلحة نارية

GMT 19:20 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ترمب يؤكد رفض استخدام القوة في ملف غرينلاند خلال خطاب دافوس

GMT 08:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

تعرض الفنان عبد العزيز مخيون لوعكة صحية ونقله للمستشفى

GMT 09:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الطقس السيئ يودي بحياة بحياة شخصين في اليونان

GMT 09:37 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة

GMT 09:40 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

صورة غلاف
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab