السياسي والمناضل وثقافة الدولة

السياسي والمناضل وثقافة الدولة

السياسي والمناضل وثقافة الدولة

 العرب اليوم -

السياسي والمناضل وثقافة الدولة

بقلم: رضوان السيد

مع تصاعد حدة الاشتباك في لبنان على سلاح «حزب الله»، لفتت الانتباهَ كثرةُ ترداد تعابير «النضال» و«المناضل» و«المبدئي». ونحن معتادون هذه التعابير منذ عقودٍ وعقود على ألسنة القوميين والاشتراكيين والحكام العسكريين وقادة التنظيمات المسلَّحة، ثم اعتنق التعبير بها الإسلامويون عندما يريدون تجنب المفردات التي صارت مثيرة مثل «الجهاد» و«المجاهدين». وفي الأزمنة الماضية كان المعني بهذه التعابير أن صاحب اللقب مارَس ويمارس العمل الوطني أو القومي أو الإسلامي بأساليب غير سياسية، كالعمل الحزبي أو العسكري أو الثوري أو الانقلابي، نأياً بنفسه عن العمل السياسي الذي كان يعني في أذهان النُخَب المتعلمة المساومات والتنازلات والفساد. فـ«سياسي تقليدي» يعني في الغالب في الأذهان المساوِمَ على المبادئ وغير الملتزم بنهجٍ مستقيمٍ في العمل لمصالح الشعب!

منذ 30 عاماً، وربما أكثر، سألت أحد السياسيين الذين برزوا أخيراً: لماذا هذا الهجوم غير المسوَّغ على قريبك السياسي الكبير الذي يحبه معظم المسلمين في لبنان؟ فضحك وقال: «لأنه سياسي محترف ويعيش من العمل السياسي ويتكسب منه (!)». فعلّق زميلٌ لنا كان جالساً معنا: «أسوأ الأمور أن تصبح السياسة مهنةً أو حرفة يكسب منها الإنسان رزقه». فقلت متردداً: «العمل السياسي المحترف في إدارة الشأن العام هو الذي ينتج وقد يصنع نجاحاً». وتابعت في حجاجية قد أعود إليها في ما بعد.

اللافت للانتباه أنّ محترفي السياسة في لبنان اليوم هم الذين يريدون تقليد الحزبيين والعقائديين. لقد ذكر ذلك عددٌ منهم في مقابلاتٍ وأحاديث، فهم يأبون أن يتفرد العقائديون الحزبيون بالنضال، بينما يظل الذين لا يحملون سلاحاً ولا يمارسون الصراخ الثوري سياسيين تقليديين خانعين منهمكين في المساومات والتنازلات!

نعم أذكر أنني قرأت في كتابٍ عن الحياة السياسية في الولايات المتحدة أن أقلّ الفئات شعبيةً هم «السياسيون والمحامون»، والاقتران بينهما في الذكر له دلالاته البعيدة.

اللبنانيون شديدو الفخار بأن بلدهم بلد حريات وعمل سياسي سلمي وفيه انتخابات منتظمة، لكنهم يخجلون من سياسييهم بسبب سمعة البعض السيئة. وهم في الوقت ذاته لا يحبون الميليشيات المسلَّحة التي عانوا منها الأمرَّين ولا يزالون يعانون. بينما يزعم المسلَّحون أنهم هم المناضلون وأصحاب المبادئ، والذين ضحوا في مواجهة إسرائيل. فالجديد في تطورات هذه النقائض الاصطلاحية والعملية أنّ «ثقافة» النضال والثوران لا تزال غرّارة إلى درجة أنّ أبناء العائلات السياسية العريقة اندفعوا في الإنكار على العقائدية التي يعدّونها زائفة، وساروا يؤثرون أن يطلقوا على أنفسهم لقب المناضل، بل قال أحدهم: أنا أريد أن أكون مناضلاً لا سياسياً (!) فالسياسة تقتضي الاحتراف، وهو أمرٌ غير مستحب؛ وهذه مسألة ثقافية أيضاً، فالمناضل محترف أيضاً ويمارس النضال ويرتزق منه، والفرق أنه نضالٌ ضد الدولة؛ فكرةً ومؤسساتٍ وعملاً سياسياً دؤوباً. وإنما عنيت أنّ هذه المسألة صارت في تاريخنا الحديث اللبناني والعربي «ثقافة»؛ بسبب قصر وسطحية تقاليد الدولة الحديثة. وأعرف هذا الإباء على العمل السياسي المحترف من جانب اثنين من رؤساء الحكومة في لبنان كانا ناجحين، وما كانا يسميان نفسيهما مناضلَين، بل يعدّان أنهما يؤديان عملاً وطنياً مؤقتاً وغير محترف، مع أنهما توليا الوزارة ورئاسة الحكومة مرات عدة! فصحيح أن البعض صار يأبى ألقاب النضال، لكنّ الأكثرين لا يحبون الاحتراف السياسي بسبب سمعته، رغم أنهم بالفعل كذلك.

كل عمل سياسي هو عمل من أجل الدولة. ونعرف أعمالاً قديمة جداً في «نصائح الملوك» أو «مرايا الأمراء»... بيد أن أول الأعمال المعروفة في سياسات الدولة هو محاورة أفلاطون السياسي أو رجل الدولة. والأدبيات السياسية لهذه الناحية كثيرة جداً، خصوصاً في القرن العشرين. وقد كان السوسيولوجي الألماني المعروف، ماكس فيبر (1864 - 1920)، يحسد الإنجليز والأميركيين على حياتهم الحزبية الديمقراطية بينما الحياة السياسية الألمانية لا تزال بيروقراطية. لكنه هو من جهةٍ ثانية كان يريد من السياسي المحترف أن تكون عنده أخلاق رسالةٍ، أو اعتقاد لمصلحة الدولة، فإذا توفرت، فيكون عليه أن يبحث عن طرائق ملائمة لإحقاق قناعاته يسميها فيبر: «أخلاق العمل».

من الطبيعي أن يُسميَ حاملُ السلاح ضد الدولة نفسَه مناضلاً، أما العاملون في الشأن السياسي فلا يحتاجون إلى سمعة النضال لكي يكونوا وطنيين أو أصحاب مبادئ. والأشهر المقبلة في سوريا ولبنان والعراق ستميّز بين من يظل مناضلاً ومن يصبح رجل دولة.

arabstoday

GMT 06:37 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 06:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 06:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 06:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 06:27 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 06:23 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 06:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الولادات شاغلة البال عربياً ودولياً

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السياسي والمناضل وثقافة الدولة السياسي والمناضل وثقافة الدولة



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 21:48 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بزشكيان يمنح المحافظين صلاحيات استثنائية تحسبا للحرب
 العرب اليوم - بزشكيان يمنح المحافظين صلاحيات استثنائية تحسبا للحرب

GMT 20:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ترامب يروج لفيلم ميلانيا الوثائقي والتذاكر على وشك النفاد
 العرب اليوم - ترامب يروج لفيلم ميلانيا الوثائقي والتذاكر على وشك النفاد

GMT 16:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

موجة برد قطبية تضرب الولايات المتحدة وتودي بحياة 11 شخصا

GMT 15:35 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يعلن استعادة جميع الرهائن من قطاع غزة

GMT 17:42 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

البرهان يتعهد بإنهاء التمرد في السودان نهائيا

GMT 17:26 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يعلن أن المرحلة المقبلة ستشهد نزع سلاح حماس

GMT 21:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

لطيفة تحيي ذكرى يوسف شاهين بلحظات مؤثرة لا تُنسى

GMT 12:20 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الجيش الإسرائيلي يقتل فلسطينيين اثنين في قطاع غزة

GMT 09:14 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

شهيد ومصابون وقصف إسرائيلي لمناطق عدة في غزة

GMT 09:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

جيش الاحتلال الإسرائيلي يصيب 5 فلسطينيين بالضرب في بلاطة

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 07:46 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

زلزال بقوة 4.1 ريختر يضرب جنوبي تركيا

GMT 09:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

جيش الاحتلال الإسرائيلي يشن حملة اعتقالات واسعة في طولكرم

GMT 08:14 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

زلزال بقوة 5.1 درجة على مقياس ريختر يضرب غرب تركيا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab