تتدخّل سورية القويّة في الجهات الأربع. وسورية الضعيفة يتدخّل فيها الجميع وليس دول الجوار فقط. سورية الجديدة تريد أن تكون مستقرّة وقويّة بداخلها ولا تريد التدخّل في شؤون أحد: فهل تنجح في ذلك؟
لو كان مقتل الشيخ الشيعيّ فرحان المنصور، خطيب مقام السيّدة زينب، منفرداً لكان من السهل اتّهام المتطرّفين السنّة بهذه الفعلة. لكنّ هذا الحادث هو السادس أو السابع خلال أشهرٍ قليلةٍ حيث تقبض السلطات السوريّة على عصابات وخلايا لـ”الحزب” بين حمص ودرعا ونواحٍ أخرى بين الشمال والشرق والجنوب والوسط.
منذ زمن طويل تثق القيادة الإيرانيّة بقدرات “الحزب” وتفانيه في إظهار إخلاصه. يبدو أنه كُلّف من جديد بالساحة السوريّة بعدما اضطرّ الحرس الثوريّ والميليشيات الزينبيّة والفاطميّة.. إلخ، إلى التواري والهروب قبل أن يهرب الأسد (!).
تتدخّل سورية القويّة في الجهات الأربع. وسورية الضعيفة يتدخّل فيها الجميع وليس دول الجوار فقط
تقاطع الخراب؟
ماذا يرجو الإيرانيّون من تصديع الأمن السوريّ؟ يرجون أمرين: تحريض فئاتٍ أخرى على الثوران لتوسيع الاضطراب بالداخل ولو بالتجارات غير المشروعة بالسلاح والمخدّرات (لنلاحظ إغارة الطائرات الأردنيّة على مواطن بالجنوب السوريّ ومحيط السويداء!)، والأمر الآخر إمكان لجوء النظام السوريّ إلى التفاوض معهم فيصير عندهم خطٌّ من جديد على سورية التي تلوّعت منهم على مدى ثلاثة عقودٍ وأكثر.
لا يستطيع الإيرانيّون إسقاط سورية من حسابهم بعد الاستيلاء عليها. لكن ماذا عن إسرائيل؟ إذ هناك بين الطرفين اتّفاقيّة فكّ اشتباك منذ عام 1974، وهناك جنود دوليّون للفصل بين الدولتين. على الرغم من أنّ إسرائيل تحتل الجولان السوري منذ العام 1967، لم يتحرّك النظام الأسديّ للتحرير، وما كان همّاً ذا أولويّة لدى الشرع. لكنّ إسرائيل التي كانت آخر من بقي مع بشّار الأسد، سارعت إلى شنّ مئات الغارات لتدمير كلّ شيء عسكريّ في سائر أنحاء سورية، ولم تنجُ من ذلك المطارات ووزارة الدفاع السوريّة.
أمّا الجبهة الثانية التي أقامتها إسرائيل فتتّصل باستغلالها الاضطراب بين الدروز في السويداء وادّعائها نصرة الدروز ضدّ حكومة الشرع بعد أحداثٍ دامية. في أزمة السويداء تدخّل الأردنيّون والأميركيّون، وإنّما حتّى الآن ليس هناك انفراج، في حين حصل الانفراج في الأزمة الأصعب مع الكُرد في شماليّ سورية وشرقيّها. يبدو أنّ هناك جبهة ثالثة تفكّر فيها إسرائيل وشرعت في بنائها. المعنيّ بذلك وصل الجولان بجبل الشيخ والإطلال على لبنان من هذه الجهة، بل وشنّ غارات على “الحزب” من هذه الجهة أيضاً.
حتّى الآن ليس هناك استقرار على الحدود مع العراق، فالحشد الشعبيّ ذو الميول الإيرانيّة يريد إقلاق النظام الجديد بسورية. أمّا لناحية الأردن فالعلاقات أفضل بالطبع، لكنّ تجارة المخدّرات والسلاح من داخل سورية تزعج الأردن وتدفعه لشنّ غارات! هذا ونحن لم نذكر لبنان بعد إلّا لجهة عمل “الحزب” ضدّ سورية من ربوعه، وإلّا فهناك عشرات المشكلات مع الدولة اللبنانيّة منذ عقودٍ وعقود، والرئيس السوريّ الجديد يطمئن اللبنانيّين كلّ الوقت لكنّهم لا يطمئنّون!
حتّى الآن ليس هناك استقرار على الحدود مع العراق، فالحشد الشعبيّ ذو الميول الإيرانيّة يريد إقلاق النظام الجديد بسورية
سوريا المؤثّرة والمتأثّرة
لماذا سورية مهمّة إلى هذا الحدّ؟ طبعاً التاريخ لا يفسّر كلّ شيء. لكن في المأثور أنّ سورية المستقرّة استطاعت وتستطيع التأثير في أربعة بلدانٍ في محيطها: تركيا والعراق ولبنان والأردن. لكنّها عندما تضطرب تؤثّر فيها البلدان الأربعة، وأضيفت إليها إيران والولايات المتّحدة، وبالطبع إسرائيل.
خير دليل على ذلك كتابان لباتريك سيل خلال عشرين عاماً. في الكتاب الأوّل مطلع سبعينيّات القرن الماضي بعنوان “الصراع على سورية”، وكان الموضوع سورية المضطربة والحافلة بالانقلابات وكيف تدخّل فيها القريب والبعيد. أمّا الكتاب الثاني في أواخر الثمانينيّات فعنوانه شديد المبالغة لكنّه يشير إلى سورية المستقرّة: “حافظ الأسد والصراع على الشرق الأوسط”. لقد تدخّل في لبنان والعراق والأردن وفي منظّمة التحرير، لكنّه صمت تجاه إسرائيل والجولان، وسلّم أوجلان زعيم حزب العمّال الكردستانيّ إلى تركيا عندما أيقن أنّ تركيا ستجتاح سورية إن لم يفعل. وسواء كان صراعاً على الشرق الأوسط أو لم يكن، كانت لدى حافظ الأسد مطامح استطاع تحقيق بعضها لأنّ سورية كانت قويّةً باستقرارها، وهو الأمر الذي ينعكس الآن فتبدو سورية مجالاً للأطماع، وعلى الأخصّ من جانب إسرائيل وإيران.
إقرأ أيضاً: التّغيير المطلوب في إيران
لدى سورية المستقرّة والقويّة عدّة تحديات ساعدتها أميركا وساعدها العرب وساعدتها تركيا في تخطّيها. بيد أنّ الاستقرار يأتي من الداخل واقتناع غالبيّة السكّان بها. ما مرّ زمنٌ طويلٌ على النظام الجديد لكي يسهُلَ الحديث عنه باعتباره عهداً له سياسات ومعالم. قد ترحّل الشرع كثيراً في أنحاء الأرض، وحظي باستحسانٍ ومساعدات، لكنّ الصعوبات ما قلّت.
مرّت على الشعب السوريّ أيام مضنية وقاسية في زمن الأسد الابن، تجرّعوا فيها مرارة القتل والتهجير، وعانوا غياهب السجون ودمار الخراب الذي حلّ بالبلاد. أمام هذا الواقع المثقل بالجراح، تبرز قناعة بأنّ إعادة البناء يجب أن تكون داخليّة بالدرجة الأولى، بحيث ينصبّ الجهد على تطوير نظام وطنيّ يحقّق كفاية العيش ويضمن أمن المواطن واستقراره.