بقلم:أمينة خيري
تعريف المنتصر فى أى معركة، حتى لو كانت خناقة فى الشارع أمر بالغ الصعوبة. هل هو من ضرب أكثر؟ هل هو من تسبب فى أضرار أكبر لدى الخصم؟ هل هو من أفضى ضربه للخصم عن ردع له ولمن معه يضمن عدم تجدد الصراع مجدداً تحت وطأة الخوف والخزى؟ هل هو من أفقد الخصم قواه ومخزونه الذى كان يعتمد عليه فخرج من المعركة ضعيفاً يحتاج سنوات لاستعادة ما فقد وإعادة البناء؟ هل هو من نجح فى كسب التعاطف وتمكن من «بيع» قضيته أمام المتابعين باعتباره الطرف الذى وقع عليه الظلم والعدوان؟ الأسئلة كثيرة، وكم من معركة تاريخية مازالت تجد نفسها مثار شد وجذب بين المؤرخين والمتابعين، ليجد المنتصر نفسه معرضاً لفقدان لقبه، والمهزوم وقد لاحت بشارة النصر فى الأفق بعد عقود وربما قرون.
الطبيعة البشرية تميل إلى الهرولة نحو إعلان النصر قبل انتهاء المعارك، وكأنها تتبع مبدأ «اللى سبق أكل النبق». اليوم، وفى خضم حرب إيران نجد كل الأطراف تعلن انتصارها على مدار الساعة. جزء من إعلان الانتصار، بينما الحرب دائرة فى الجو والبحر وعلى الأثير حيث القرصنة السيبرانية لا تقل وطأة عن الصواريخ والمسيرات، وكذلك على أثير الإعلام حيث حرب تكسير العظام ماضية دون هوادة، هى فى حد ذاتها حرب من نوع آخر.
نسميها حرباً نفسية، أو معنوية، أو اعتقادا أو أملا بأن إعلان النصر من طرف ما يحقق النصر فعلياً، لكن تبقى الحرب مفتوحة على مصراعيها لأمد غير محدد. قد يتم وقف إطلاق الصواريخ والمسيرات، ويفتح مضيق هرمز، وتعود الحياة إلى طبيعتها هنا وهناك، لكن هذا لا يعنى أن الحرب انتهت، وأنه تم تحديد المنتصر والمنهزم بشكل قاطع.
كتبت الشهر الماضى عن معضلة إشهار الانتصار بناء على معايير معينة، وكيف أن الأجيال الأصغر سناً تميل إلى المنطق لا التراث، والحقيقة لا الخيال، لا تجد فى كل ما سبق إجابة مقنعة. فهى أجيال نشأت فى كنف العصر الرقمى، ومنظومة «آمين» لا تحظى بشعبية بينهم. بمعنى آخر، من ينصب نفسه منتصراً ليس بالضرورة كذلك.
فى حرب غزة، والتى مازالت مفتوحة بالمناسبة، احتفل «حزب الله» بالنصر، و«حماس» قالت إنها انتصرت، والحوثيون ابتهجوا بالنصر الكبير، وإيران أكدت على الانتصار، وإسرائيل ملأت الدنيا صخباً فرحاً بالانتصار، ولوحت كل الأطراف بعلامة النصر. فمن انتصر حقاً؟!.
وحرب إيران ليست بعيدة عن حرب غزة، وإن كانت أكثر توسعاً وأعتى أثراً. وقف إطلاق الصواريخ والمسيرات اليوم لا يعنى طى صفحتها، بل بداية صفحة، لا بل مرحلة مغايرة تماماً لما قبلها.
بينما نعض الأصابع يومياً أثناء متابعة حركة الصواريخ، وننتظر ما سيسفر عنه خطاب ترامب، أو تهديد نتنياهو، أو إنذار قادة إيران، تلوح صفحة ضبابية فى هواء الشرق الأوسط، حيث حرب مفتوحة مميتة، لا منتصر صريح فيها، ولا منهزم.