بقلم - أمينة خيري
يعتقد البعض أن سيطرة زوجة على قرارات أو أموال زوجها، أو تعسف مطلقة فى حق الأب فى رؤية أبنائه أو مبالغتها فى المطالبات المادية أدلة وبراهين على أن المرأة المصرية تحظى بمكانة عظيمة، أو إنها سلبت حقوق الرجل، غير مكتفية بحقوقها.
وما أرصده من مظاهر مخيفة فى المجتمع المصرى فى الآونة الأخيرة لا علاقة له بـ«ست مفترية» هنا أو هناك. أرصد خطاباً دينياً واجتماعياً وإعلامياً يعكس، فى كثير من الأحوال، قناعة عميقة لأصحابه، من القادرين على توجيه الرأى العام، بأن المرأة محدودة القدرات، مسلوبة الحقوق، تبحث عن الحماية العضلية دائمًا وأبدًا، وحياتها عبارة عن مجموعة من المحاذير والقيود التى يقررها لها رجال دين أو رجال فكر أو رجال إعلام، أو حتى نساء نشأن فى كنف هبة التدين السبعينياتى، أو ما يسمى بـ«الصحوة»، المحكمة قبضتها على رقبة المجتمع المصرى، رغم تخلى وتبرؤ أصحابها منها.
المسألة ليست جماعة دينية أو تيارا بعينه، والحكاية ليست إصدار قرارات بحظر أو محاكمة، لأن الفكر لا يُحظَر بقرار، والثقافة التى ارتدت جلباباً دينيا، والدين الحق منها برىء، وروجت لنفسها باعتبارها «الالتزام» المرجو والتدين المطلوب لا تواجه إلا بفكر تنويرى أدعى أنه تقلص هذه الآونة لما دون الصفر.
وللمرة المليون، المسألة لا تبدأ وتنتهى عند ملابس النساء، والتى يحاول الغارقون فى السطحية أن يرهبوا المطالبين بتعديل المسار بعيداً عن الرجعية الفكرية والتخلف المعرفى، موجهين لهم تهمة «محاولة نشر الفسق ونثر الفجور»، وهذا إن كشف عن شىء فعن ضحالة وتفاهة وإصرار على اختزال الدين فى القماش. ولو كان كذلك، لكانت شوارعنا نموذجًا يحتذى فى النظافة والالتزام والتنظيم والتنسيق والترتيب.
أنا على يقين من وجود علماء دين متنورين ومثقفين، ولكن ألا يشغل بالهم نوعية الأسئلة التى ترد إليهم والتى يغلب عليها النكاح، واللباس، ونقاب الطفلة وبالطبع نكاحها، وحكم خروج المرأة من البيت، وحكم الزواج من ابنة الزوجة بعد طلاقها؟ ألا يقلقهم غياب الأسئلة المتعلقة بالتأخر العلمى، والتراجع المعرفى، وموت التفكير النقدى، والتناقض بين هذا القدر من التدين الذى يغلب على الشارع متمثلًا فى ميكرفونات المساجد، وانتشار الزوايا، واحتلال الأرصفة للصلاة رغم وجود مسجد على بعد أمتار، وحقيقة التهديد المصيرى الذى تتعرض له الأمة لأن أنثى وضعت «رجل على رجل» فى مكان عام؟ ألا يستحق ذلك دراسة للبحث عن الأسباب التى تجعل عموم المصريين غارقين فى نوعية بعينها من الأفكار؟ ألا تستحق الهوة السحيقة بين توجهات الإدارة والإرادة السياسية التى تعتبر المرأة واحدًا صحيحًا قادرًا على شغل منصب وزيرة ومحافظة وعميدة ومستشارة رئاسية، وبين القوى الخفية المسكوت عليها والتى تجر الشارع جرًا نحو «أفغنة» نساء مصر، لا فى الملبس فقط، ولكن فى الفكر والتوجيه والإرادة والمكانة والمصير؟!
وللعلم، لن تنجر النساء وحدهن، فامرأة واحدة تعنى أسرة بأكملها، ومجموع الأسر يشكل تعداد الوطن.