بقلم: أمينة خيري
الذكاء والدين (2)حتى اللحظة، أغلب المخاوف «الشعبية» من الذكاء الاصطناعى تدور حول نقطتين لا ثالث لهما: فقدان الوظائف والمهن، وفقدان السلطة الدينية واحتكار الفتوى. اجتماعياً وثقافياً، تبدو هذه المخاوف مفهومة ومتوقعة. أغلب مخاوف الناس واهتماماتهم لا تخرج عن هاتين النقطتين: العمل من أجل توفير مطالب الحياة، والدين – عبر وسطائه وأدواته- من أجل ضمان الآخرة.
رد فعل البشر للذكاء الاصطناعى، فوائده وأضراره وتحدياته وفرصه، تشكله ثقافتهم بشكل كبير، بالإضافة إلى خلفياتهم العلمية والفكرية والنفسية.
بعيداً عن مخاطر الهجمات السيبرانية، وتطاحن قوى العالم العظمى فى مجال الذكاء الاصطناعى، وضلوعه مكوناً رئيسياً فى الحروب المستقبلية ومنها م بدأ بالفعل، وغيرها من المخاطر التى تعتبرها القاعدة العريضة من الناس أموراً لا شأن لها بها، دخل الذكاء الاصطناعى والدين فى علاقة غريبة هى خليط من التقارب والتضارب. أدوات الذكاء الاصطناعى تسارع خطواتها لتقون بالمهام الدينية أو الروحية التى يقوم بها عادة رجال الدين، ويكتسبون بسببها المكانة والمهابة والحظوة. هذه العلاقة التطاحنية ليست حكراً على دين دون آخر، بمعنى إنها ليست حرباً موجهة ضد الإسلام تحديداً.
أخبار متعلقة
أمينة خيري
كيان ملغوم
أمينة خيري
شهر السادس من أكتوبر
أمينة خيري
الذكاء والخوف المبرر (1)
مجلة «إيكونوميست» نشرت تقريراً مهماً ومثيراً فى شهر أغسطس الماضى عن هذه العلاقة، التى يتم تصويرها تارة باعتبارها تكاملية، ولكنها فى أغلب الظن تنافسية. المؤسسات الدينية التابعة لشتى الأديان، سماوية وغير سماوية، ورجالها ونساؤها (حال وجود نساء) تشعر بتهديد ما قادم لسلطتها وسطوتها، سواء كانت سطوة ظاهرة، كتلك التى يسأل فيها الناس رجال الدين عن حكم دخول الحمام بالرجل اليمين وهل يجوز تناول الدواء الذى كتبه طبيب من دين آخر وابتكره عالم بلا دين، أو سطوة كامنة ظاهرها فصل بين الدين والدولة وباطنها دولة فى داخل الدين.
وبحسب تقرير «إيكنوميست» فإن ديناميكية متسارعة آخذة فى تغيير كل ما يتعلق بالدين فى عصر الذكاء الاصطناعى. بعض القيادات والمؤسسات الدينية فى العالم تحاول القيام بما هو أكثر من دور المشاهد أو المتلقى السلبى لما يفعله وسيفعله الذكاء الاصطناعى بفكرة الدين. هذه القيادات تعلم أيضاً، لا سيما فى المجتمعات التى تعتنق الفكر النقدى وتحترم اجتهاد الأفراد فى التفكير والسؤال والبحث عن إجابات، إن دفاعات المنع والحجب والعقاب، إن نفعت اليوم، لن تجدى غداً.
جانب كبير من «المفاوضات» بين أباطرة الذكاء الاصطناعى ورموز دينية من أديان مختلفة تدور حول وضع قواعد للتعامل مع المعضلات الأخلاقية والنفسية والروحانية غير المسبوقة التى تفرضها تقنيات وتطورات الذكاء الاصطناعى المتسارعة، أو على الأقل هذا هو المعلن.
القادم فى الدين يختلف تماماً عما كان، وسواء تم الاستعداد له عبر مانيكان بلاستيكى يرتدى عباءة وطرحة ومزود بتطبيق يحمل إجابات على أسئلة دينية، أو توسعت المدارك لإنهاء السيطرة على الجموع عبر إبقائها فى الظلام دون تمكينها من أساليب الدفاع الحقيقية، فإن التغيير قادم بنا أو بدوننا، وللحديث بقية.