بقلم : محمد أمين
ذهبت إلى أحد المطاعم على نهر النيل الخالد.. فى أجمل منطقة على النيل، وأخذت مقعداً وجلست بجوار النهر أسمع الأغانى وأشم رائحة النيل الذكية.. كنت معزوماً، والصحفيون فى هذا العصر لا يعزمون، إنما ينتظرون المعاش.. وتحققت ميزتان فى اللقاء.. عبقرية المكان على النيل، وعبقرية أن تكون معزوماً على سمك من صديق يحبك. كنا جماعة، وطلب الأصدقاء أن نجلس فى المنطقة المكيفة داخل المطعم.. وقلت: هل نكون على النيل ونجلس بيننا وبينه حجاب؟.. وتغلبت فى الرأى على آرائهم.. ورحت أسرح فى النيل وحلاوته وتاريخ النيل وذكرياته!.
عكر مزاجى بعض التفكير فى إثيوبيا وما تفعله من ألاعيب، وكلامها عن بناء سدود جديدة، وموقف مصر من هذا الهراء، وما يقوله وزير المياه الإثيوبى من جديد.. وتصريحات مصر بأنها سوف تتخذ جميع التدابير للحفاظ على حقوق مصر التاريخية فى النيل!
حاولت أن أتوقف عن الاسترسال فى هذا الكلام كى أنعم بالعزومة وأكلة السمك وشوربة السى فوود.. وحاول صديق أن يجعلنى أفيق من غفلتى.. وقال: فينك؟.. قلت: موجود.. كى لا أفتح المجال فى نقاش أكبر ونعكر صفو الحاضرين بدراسة موقف الحكومتين المصرية والإثيوبية!.
طمأنت نفسى بأن النيل عاش مئات السنين ولم يقترب منه أحد، فهو أطول أنهار العالم وكان مطمع كل الدول الاستعمارية ولم يقترب منه أحد.. وظل يحمل الحياة والخصب والنماء لأرض مصر، وكتب المؤرخ اليونانى هيرودوت «مصر هبة النيل»؛ وذلك من منطلق ما لمسه من أهمية نهر النيل فى حياة المصريين، وكان يحميه جيش مصر وفرعون مصر وشعب مصر، قبل أن يكون هناك ابى أحمد أو غيره!
وعيب كبير فى الصحفيين، أنهم لا يعيشون اللحظة، وإنما يفكرون فى كل شىء ويحولونه إلى مادة صحفية، وقد تعكر مزاجهم لكنها طبيعة مهنة البحث عن المتاعب.. وهكذا هى صاحبة الجلالة وما تفعله بأبنائها فى أحلى اللحظات فتحيلها قطعة من العذاب، خاصة لو استمر النقاش وهات وخد!.
كنت أشم رائحة النيل، وسببها طمى النيل.. وتشير المعلومات إلى أن النيل يحمل حوالى ١١٠ ملايين طن من الطمى سنويًا، يأتى معظمها من الهضبة الحبشية، لكميات الطمى هذه أثرٌ كبيرٌ على دول الحوض؛ حيث تجدد خصوبة التربة على الضفتين فى بعض المناطق وتقلل من السعة التخزينية للخزانات والسدود على مسار النيل!.
وقد اعتمدت الحضارات التى قامت على ضفتى النيل على الزراعة، كنشاط رئيسى مميز لها، خصوصا فى السودان ومصر.. وبعد، فهذه ثرثرة على النيل بسبب عزومة سمك، لا أترحم على النيل، فالنيل باق وسيبقى يجرى فى ربوع مصر!.