أوراق في حوزتي

أوراق في حوزتي

أوراق في حوزتي

 العرب اليوم -

أوراق في حوزتي

بقلم - جميل مطر

أوراقى مشكلتى بل لعلها أعقد مشكلاتى. أبحث عن ورقة بعينها بين أوراقى وفى غالب الأحوال أو المرات لا أجدها. يحدث فى مرات غير قليلة أن أجد أمامى ودونما بحث مسبق ورقة أو وثيقة كنت نسيت أمرها أو يئست من العثور عليها أو انحسر اهتمامى بقضيتها، أجدها فأفرح بها وفى الوقت نفسه أشفق على نفسى وعلى كتاباتى من غيبة مصادر كانت فى واقع الأمر حاضرة.
• • •
عشت سنوات، بالعشرات، أحاول أتذكر أسماء الرفاق الثلاثة فى فريق الجوالة الذين اختطفتنى معهم القوات الإسرائيلية فى أول أيام رحلتنا فى غزة ومعنا الشاب أو المراهق الفلسطينى الذى تطوع لإرشادنا إلى الطريق إلى أقرب مستوطنة والتل المطل عليها. قبل أيام قليلة من يوم كتابة هذه السطور، أى بعد مرور أكثر من خمسة وسبعين عاما، وقعت فى يدى صور لنا ونحن، وباستثناء الشاب الفلسطينى الصغير، نرتدى ملابسنا الكشفية. فرحت بالصور أيما فرحة وأظن أننى هللت بصوت عال. ثم حل الصمت مخيفا ومذهلا عندما اكتشفت أننى تعرفت على الوجوه ونسيت أسماء أصحابها. نسيت أسماء رفاق إحدى أهم محطات حياتى.
• • •
وجدت فى الموقع نفسه، بين ما وجدت، رسائل صفراء على ورق ناعم لأتعرف بعد قليل على خط «حماتى» ولأعرف أنها موجهة إلى ابنتها باللغة الإسبانية. كان معروفا أنهما، وإحداهما زوجة شاعر والثانية ابنتهما، يجيدان، كتابة وقراءة وإدارة نقاش، بثلاث لغات على الأقل ليس بينها اللغة العربية إلا ضعيفة ومترددة. الأولى وهى الأم نشأت بالأرجنتين والثانية نشأت فى البرازيل ودرست فى بيروت بمدارس داخلية وتنقلت مع أهلها من بلد إلى آخر.
• • •
وجدت أيضا رسائل كتبها أبى بخطه المنمق ولغة سليمة. عرفته حريصا أشد الحرص على ألا يخطئ فى النحو. أظن أن بعض الفضل يعود لتقاليد البيروقراطية المصرية العميقة الجذور التى عاش أبى فى أحضانها عقودا مراعيا شروطها وواجباتها، ومن الشروط الأهم، على ما أذكر، الولاء المطلق ولكن البسيط للوطن. هذا الولاء يفترض أو يشترط الالتزام بإثراء مخزون اللغة والتمسك باستخدام لغة سليمة فى كتابة المذكرات الرسمية. «غير مخلص لوطنه من يكتب بعربية ركيكة». أقرأ رسائله وكأنى أقرأ لأستاذ يؤرخ لثورة عام 1919 ولحزب الوفد ولشرف المهنة.
• • •
عشت فترات مع الشاعر عمر أبو ريشة. فترات غنية بالحكايات والتعليقات الذكية. عرفته محبا للموسيقى وبخاصة الغربية الكلاسيكية، ولكنه كان يخصص من الصباح الباكر ساعة كاملة للغناء الهندى وبخاصة نوع الغناء المستعين بألحان تراث المعابد الهندوسية. لا يخرج من غرفة نومه إلى مائدة الإفطار بملابس النوم. تسبقه دائما إلى المائدة صحون الخبز الدافئ وفصوص الثوم، يمضغ الثوم بتلذذ واستمتاع ويتحدث عنه بكل الإعزاز. يفخر بأن الثوم يحترم علاقتهما فلا يترك فى الفم رائحته الشهيرة التى عرف بها الثوم فى جميع أرجاء وعوالم المطابخ وثقافات الأكل.
أتذكره مرتديا كامل ملابس الخروج بما فيها ربطة عنق لا تغادر وحذاء أنيق بجلد لامع. ينهض من مائدة الإفطار ووجهته اليومية غرفة مكتبه، هناك يقضى بعض النهار لا يتحدث إلى أحد ولا يطلب غير القهوة ليدخن معها سيجارة يتفاخر بأن دخانها غير مسموح له أن يتسرب إلى صدره كما يفعل مع غالبية المدخنين. كان مغرما بأحفاده ولم يبخل على أى منهم بالحديث أو باصطحابهم معه فى رحلته اليومية إلى كورنيش بيروت يعود بعدها مشيدا بذكاء هذا الحفيد أو هذه الحفيدة، يصف كلا منهم بـ (فلتة زمانه) فى الذكاء وبأن البشرية لم تنجب مثيلا لأى منهما.
• • •
أمس الأول رحت أقلب فى مجموعة أخرى من الأوراق عرفت كيف تتفلت منى حتى ذلك الحين. وجدت بينها بطاقة بريدية صادرة من فيينا عاصمة النمسا وسلمت لى فى مكان عملى بسفارتنا فى روما. بعث بالبطاقة زميلى سابقا وصديقى دائما الشاعر الدبلوماسى نزار قبانى أثناء مروره على فيينا وكان أبو ريشة ما يزال سفيرا بها. وصف نزار فى البطاقة لقاءه مع الشاعر أبو ريشة فأحسن الوصف بل لعله أبدع فى تصوير «لقاء الشاعرين». لم أجد بدًا من انتهاز فرصة نشر مقالى الأسبوعى تحت عنوان انطباعات لأذيع على الملأ نص الرسالة ليس فقط لما استحسنته فى الرسالة من صفة اللقاء بين شاعرين، ولكن أيضا لأن نزار ألمح فيها غاضبا إلى منظر عشناه سويا فى حديقة قصر الإمبراطور. كنا كعادتنا كل نهاية أسبوع خلال زمالتنا بسفارة الجمهورية العربية المتحدة فى بكين نخرج للنزهة فى حديقة أو أخرى. عاش نزار فى بكين محتجا بل ومعترضا بشدة على حالة المساواة شبه المطلقة فى الملبس وتصفيف الشعر بين الذكور والإناث من الشباب. لم تقع عيناه فى الصين على اثنين من الشباب يحتضن أحدهما الأخرى أو يهمس فى أذنها أو يقبلها أو حتى يهم لتقبيلها. أتذكر فى اليوم المشهود أن نزار نهض واقفا فى حدة وغضب ووجهه محتقن وهو يردد دعنا ننصرف، وأردف صارخا «دولة لا حب فيها ولا تعترف بالحب». أنقل للقارئ فى السطور التالية نص ما كتبه لى فى بطاقته البريدية، وصورة ضوئية للبطاقة طلبت من الآنسة وفاء، مساعدتى فى جريدة الشروق، تدبير أمر نشرها.
الحبيب جميل.
من فيينا.. مدينة الفتنة.. والدانوب.. والخصور المغنية.. أبعث إليك بكل ما فى صدرى من حب. قضيت مع الحبيب عمر (أبو ريشة) يومين ارتفعنا بهما إلى الله.. شعرى الذى قتلته بكين.. بعث من جديد حين لاقيت عمر.. وغنينا ما شاء لنا الليل أن نغنى.
ذكرك ورفيف كان على مائدتنا مع الشراب.. والورد..
سلام عليك وحب دائم
نزار
9/6/60

 

arabstoday

GMT 11:20 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

غبار الجليد

GMT 11:18 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

صعوبات العودة إلى الدولة

GMT 11:17 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

الخوارزمي مُستاء جداً!

GMT 11:15 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

السنغال و«داحس والغبراء»

GMT 11:13 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

«لو فيغارو»: كيف تسهم الصحف في صياغة التاريخ

GMT 11:12 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

مجلس التعاون الخليجي واستقراره ونجاحه

GMT 11:10 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

تجارة في السياسة !

GMT 11:09 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

سلوت وصلاح.. أفكار وسياسات

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوراق في حوزتي أوراق في حوزتي



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم
 العرب اليوم - رئيسة وزراء الدنمارك تزور غرينلاند بعد تراجع تهديدات ترمب

GMT 18:46 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان
 العرب اليوم - اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان

GMT 12:37 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

تامر حسني يتحدث عن نجم المرحلة المقبلة في التمثيل
 العرب اليوم - تامر حسني يتحدث عن نجم المرحلة المقبلة في التمثيل

GMT 08:07 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

مقتل 11 جنديًا سوريًا بواسطة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"

GMT 07:59 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

3 شهداء جراء استهداف الاحتلال لسيارة طاقم إعلامي وسط غزة

GMT 08:03 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الجيش الإسرائيلي يعترض طائرة مسيرة تحمل 10 أسلحة نارية

GMT 19:20 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ترمب يؤكد رفض استخدام القوة في ملف غرينلاند خلال خطاب دافوس

GMT 08:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

تعرض الفنان عبد العزيز مخيون لوعكة صحية ونقله للمستشفى

GMT 09:10 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

الطقس السيئ يودي بحياة بحياة شخصين في اليونان

GMT 09:37 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة

GMT 09:40 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

صورة غلاف

GMT 07:08 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ساعر يدعو الاتحاد الأوروبي لتصنيف الحرس الثوري إرهابيا

GMT 09:21 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

هيفاء وهبي تدلي بأقوالها في بلاغها بفبركة فيديوهات خادشة

GMT 07:06 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

الأمم المتحدة تطالب إسرائيل بوقف هدم منشآت الأونروا

GMT 09:34 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

ترامب يحشر إيران في زاوية اللايقين
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab