أيام في طفولتنا لها تاريخ

أيام في طفولتنا لها تاريخ

أيام في طفولتنا لها تاريخ

 العرب اليوم -

أيام في طفولتنا لها تاريخ

بقلم - جميل مطر

 تصغرنى بعامين. اتصلت بها فى السابعة صباحا لتوثيق معلومة تقع ضمن ذكريات طفولتنا. ردت على اعتذارى عن الاتصال المبكر بأنها، كما حال من فى سنها، تستيقظ قبل بزوغ الشمس. سألتها، ثم سألت خالتها، وهى فى مثل عمرها، عن مناسبات فى طفولتنا تتذكر أنها أكثر من غيرها.

فاجأتنا بطلب أن تحكى لنا نميمة صغيرة تذكرها بحال الزمن الذى ننوى التحدث عنه. قالت إن أباها وأمها كانا يسمحان لها وهى طفلة بالنوم معهما فى غرفتهما بين الحين والآخر. فى أحد تلك الأيام أو فى ليلة من لياليها سمعت أباها يلفت نظر أمها إلى أنها تبالغ فى الإنفاق حين تقوم بدفع خمس عشرة جنيها قيمة شراء زبدة بلدية من الريف لزوم تخزين السمنة البلدية فى بيتنا من الربيع إلى ربيع آخر.

اجتمعت ذاكراتنا، أقصد ثلاثتنا، على مناسبات بعينها واختلفت أو تفاوتت على مناسبات أخرى. اجتمعنا على مناسبة تنفيذ «الندر». تأتى الشقيقتان، ابنتا أختى، فى الليلة السابقة  ليقضيا النهار معنا من فجره. البيت يعج من مطلع النهار بفلاحات قدمن من الريف وشغالات بيتنا وبيت شقيقتى وبعض الجارات وشغالاتهن.

أمى فى المطبخ تنظم وتتأكد من أنواع وجودة البهارات التى توضع فى «الأزان» الكبير لتغلى مع قطع اللحم. تتذوق المرق بنفسها ولا بد أن تضيف إليه من صنف البهارات أو من الماء، وتعود إليها كل حين لتزداد ثقة فى جودة الطعم والنوع. نراها تترك المطبخ لتتأكد أيضا بنفسها من جودة أرغفة الخبز رغيفا رغيفا. تستبعد الرغيف المثقوب والرغيف الملتصق وجهه بظهره. تمر بين العاملات والقريبات المتطوعات أو نظير بركة تحل عليها وعلى أسرتها أو حسنة تحسب لها يوم القيامة، تمر عليهن توزع التعليمات وأهمها الحرص على جودة الرغيف من مظهره كما من محتواه،  باعتباره وسيلة «الندر» للتقرب إلى الرب أو شكره عن طريق إشباع فقير أو تلبية رغبة محتاج. أتذكر أننا كأطفال كوفئنا على حسن سلوكنا بالسماح لنا بمرافقة الفريق الذى سوف يعهد إليه بمهمة توزيع الأرغفة على المستحقين الملازمين لمسجد وضريح السيدة زينب.


لم تكن سهلة، حسبما عرفت فيما بعد، مهمة تشكيل الفريق فالمنافسة كانت دائما حامية بين المتقدمين لقيادة أو عضوية هذا الفريق لما يتبع المهمة من ثواب عظيم. أتذكر أننى حظيت بهذا الشرف مرتين فى عام واحد، كانت المرة الثانية عندما حلت فى بيت جدتى مناسبة «ندر» آخر، وكان هدفنا مسجد سيدنا الحسين وجواره المترامى.

• • •

أتذكر أيام الانتخابات للبرلمان. كانت مناسبة للصبيان من الأطفال للهو وتقليد هتافات الكبار. البنات لا يشاركن فى مؤتمرات انتخابية ولا فى مسيرات المرشحين. أتذكر آخر انتخابات سياسية ليس فقط لأنها انطلقت من «حوش» مدرستى ولكن أيضا لأنها أثارت أسئلة أمام عقلى المتواضع. عدت ذلك اليوم لأسال والدى وهو خبير العائلة الممتدة من الناحيتين، ناحية الأم وناحية الأب، خبيرها الوحيد فى شئون السياسة والأحزاب وأسماء الكبار. سألته عن السبب وراء استخدام الحمار الذى كان يركبه صباح ذلك اليوم مرشح حزب الوفد فى مسيرته ومن خلف الحمار يمشى عشرات المراهقين والشبان يهتفون باسم المرشح، لماذا لم يمش بين الناس، أو حمله على الأعناق مريدوه. غضب الوالد. راح ظنى إلى أنه غضب لقصة الحمار قبل أن يصدر تحريما بأن لا أنضم لمثل هذه الاجتماعات السياسية والحزبية، وألا أخضع لإغراءات المروجين لها. هو نفسه كان وفديا أو صديقا لوفديين كبار.


• • •

عدت أسأل رفيقتى طفولتى عن مناسبات كانت لهما أدوار فيها. توافقتا على مناسبة سنوية تأتى فى أعقاب نهاية السنة المدرسية واشتداد حرارة الصيف فى القاهرة. كانت الاستعدادات للسفر إلى المصيف تبدأ قبل اليوم المحدد بأيام غير قليلة. تقول إحداهما أنها تتذكر جيدا أن جدتها، التى هى أمى، كانت تفضل اصطحاب أدوات مطبخها، مثل الحلل والطاسات والأطباق والملاعق والشوك والسكاكين، كل ما تعودت عليه واطمأنت إليه وبخاصة (وابور البريموس). فضلت دائما التوصية بتخزين الأرز والمكرونة والسمن البلدية بحيث تكون جاهزة للسفر معنا فتوفر عليها وعلى ابنتها وحفيدتيها زيارة الأسواق عند الوصول للمصيف.

تذكرنى رفيقتى الأخرى بأنهما مع شقيقتها الكبيرة ولسعادتهن كن يرتدين ملابس البحر تحت ملابس الخروج التى يعتزمن السفر بها مع الحقائب والزكائب والحمالين والمساعدات والمساعدين، أى ضمن الفوج الأول من طلائع العائلة، الطلائع المقرر لها السفر فى قطار الصحافة الذى كان يغادر محطة مصر الساعة الثالثة صباحا. يا للفرحة!. كل هؤلاء يسبقون الكبار فيرتبون المكان قبل وصولهم وقد يكون من نصيبهم «غطسة» فى البحر قبل وصول العائلة وبالتأكيد قبل نزول المصيفين إلى الشاطئ فى هذا الصباح الباكر.


• • •

كنا ثلاثة، تخلت عنا رابعتنا عندما استجابت إلى دعوة الداعى قبل شهور قليلة فقررت الرحيل من هذه الدنيا. اجمع ثلاثتنا على  المناسبات التى كانت تجمعنا بالبهجة كثيرة منها مثلا سبت النور من كل عام. تأتى بائعة البيض يوم الجمعة تحمل سبتا مليئا بالبيض تشترى أمى أكثره أو كله. يسلق قبل النوم لنستيقظ صباح السبت مبكرا ونباشر عمليات التلوين والرسم، كثيرا ما كنا نرفض تدللا أكل البيض وقد تلون. أو نريد لليوم أن يطول بنا فى صحبة البيض الملون.

• • •

ذكرتنى ابنة أختى بمناسبات عائلية مثل ليلة النص من شعبان وليلة الاحتفال بمولد النبى وليلة «النص» من شعبان وليلة القدر، وكلها مناسبات البطل فيها أمى بإبداعاتها وتنويعاتها فى اختيار الضحايا من الطيور والدواب لأغراض «التوسعة» والتوزيع. ناهيك عن ليلة عيد الفطر حيث تعبأ جميع الإمكانات البشرية والمادية لتوضع تحت تصرفها لإعداد كعك العيد، ليلتها يتولى الصغار تنفيذ مهمة رمزية وهى حماية صاجات الكعك فى الطريق إلى الفرن ومن الفرن للبيت محمولة على رأسى الشغالتين سيدة وفاطمة.


• • •

تذكرنا أيضا ليلة سهر وسمر لا تنسى، إنها ليلة تحويل أقماع  الزبدة الجاموسية الواردة إلينا من الريف إلى سمنة بلدية. تتخلل السهرة وجبات اختيارية من البيض المقلى فى «المورتة» التى جرى نزعها من فوق سطح السمنة الساخنة قبل أن تبرد. لم يفت على أمى فى اليوم التالى أن يكون الساندوتش اليومى الذى تعودنا على حمله يوميا مع كتبنا وكراساتنا وقد خلا من القشدة البلدية بالسكر لتحل محلها «المورتة».

• • •

كانت طفولة ممتعة. عبارة رددناها مرارا قبل أن يعود كل منا إلى بيت لا طفل فيه كبير أو صغير ولا مناسبة تجمعنا وإياهم إلا ما ندر.

arabstoday

GMT 06:37 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 06:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 06:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 06:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 06:27 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 06:23 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 06:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الولادات شاغلة البال عربياً ودولياً

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أيام في طفولتنا لها تاريخ أيام في طفولتنا لها تاريخ



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 21:48 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بزشكيان يمنح المحافظين صلاحيات استثنائية تحسبا للحرب
 العرب اليوم - بزشكيان يمنح المحافظين صلاحيات استثنائية تحسبا للحرب

GMT 20:10 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يتعهد بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة
 العرب اليوم - نتنياهو يتعهد بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة

GMT 20:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ترامب يروج لفيلم ميلانيا الوثائقي والتذاكر على وشك النفاد
 العرب اليوم - ترامب يروج لفيلم ميلانيا الوثائقي والتذاكر على وشك النفاد

GMT 16:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

موجة برد قطبية تضرب الولايات المتحدة وتودي بحياة 11 شخصا

GMT 15:35 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يعلن استعادة جميع الرهائن من قطاع غزة

GMT 17:42 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

البرهان يتعهد بإنهاء التمرد في السودان نهائيا

GMT 17:26 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يعلن أن المرحلة المقبلة ستشهد نزع سلاح حماس

GMT 21:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

لطيفة تحيي ذكرى يوسف شاهين بلحظات مؤثرة لا تُنسى

GMT 12:20 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الجيش الإسرائيلي يقتل فلسطينيين اثنين في قطاع غزة

GMT 09:14 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

شهيد ومصابون وقصف إسرائيلي لمناطق عدة في غزة

GMT 09:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

جيش الاحتلال الإسرائيلي يصيب 5 فلسطينيين بالضرب في بلاطة

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 07:46 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

زلزال بقوة 4.1 ريختر يضرب جنوبي تركيا

GMT 09:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

جيش الاحتلال الإسرائيلي يشن حملة اعتقالات واسعة في طولكرم

GMT 08:14 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

زلزال بقوة 5.1 درجة على مقياس ريختر يضرب غرب تركيا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab