بقلم: جميل مطر
استمرت تطاردنى عقدة «جبل» المقطم، هذا العملاق بالنسبة لسكان سفوحه وما تحتها فى الجمالية والدراسة أو بعيدًا عنها فى المنيرة وحى الحكومة، وكنت أحد هؤلاء السكان. تقدم بى العمر فانتقلت من المراهقة إلى الشباب اليافع وسافرت إلى أصقاع بعيدة ولم يعد المقطم عملاقًا. صرت مع مرور الوقت وتعدد مواقع سكنى وعملى أشير إليه بالتل المتواضع مثله مثل تلال كثيرة متناثرة حول مدن سكنتها غير القاهرة.
عشت أقارن تلّى المتواضع بجبال أقمت فى أحضانها وسفوحها أيامًا سواء فى لوسيرن وجنيف وإنترلاكن فى سويسرا أو فى أروشا، القرية التانزانية الراقدة عند سفح من سفوح جبل كليمانجارو، أتطلع من شوارعها الضيقة نحو أحد أعلى قمم العالم وأجملها، أم أقارنه بجبل وقفت أطل من شباك فى مقهى عند قمته على فيينا، العاصمة الساحرة أم أقارنه بما شاهدت من قمم بيضاء وأنا مطل لا أكثر، لكن مرات عديدة، من شباك فى طائرة على قمم آكونكاجوا الجليدية فى سلسلة جبال الأنديز قرب الحدود بين الأرجنتين وشيلى.
أذكر أنه بعد أن أتممت مهمتى فى شيلى والأرجنتين وقبل أن أعود إليهما فى مهمة من نوع آخر حدث أن أنتجت هوليوود فيلمًا سينمائيًا يصور سقوط طائرة فوق قمة من مجموعة القمم المشكلة لما يعرف بقمة آكونكاجوا (أو بالأحرى الارتطام بها). وقتها ذهبت أكثر التقارير إلى أنها ارتطمت ولم تسقط بحكم أنها كانت تطير على أعلى ارتفاع مقرر لها، وكان فى ذلك الحين يتساوى أو يقل قليلًا عن ارتفاع بعض قمم آكونكاجوا. يصور الفيلم السقوط أو الارتطام، وكل منهما فى حد ذاته مأساة مؤلمة، لكنه يصور أيضًا حكايات بشعة عن ركاب من جميع الأعمار يتضورون جوعًا على امتداد مدة طويلة لم تتمكن كل ما أنتجته الخبرة لدى أعضاء طاقم الطائرة من أفكار وآليات وما تبقى فى خزائن الطائرة من مواد غذائية وما أثمره التعاطف المتبادل بين الركاب، لم تتمكن كلها من سد جوع كل النساء والأطفال وكبار السن من الركاب خلال أسابيع امتدت فيها مأساة الركاب الأليمة.
• • •
تعمدت فى هذه الرحلة الأخيرة إلى هذه القارة الممتعة بفنونها وبأهلها وحكاياتها، تعمدت أن أتناسى هذه المأساة متمنيا أن تكون زميلتى فى المهمة الأكاديمية التى جئنا من أجلها، والجالسة على الطائرة مقعد الملاصق للشباك المطل على القمة، لم تشاهد الفيلم، أو لعلها رأته وتذكرته وتعمدت مثلى التعتيم على ذكراه المؤلمة، خاصة وأننى لاحظت بكثير من الرهبة أن قائد الطيارة التى كنا على متنها وكأنه أوقف صوت المحركات احتراما للمشهد أو لمشاعر من يعرفون ويتذكرون وهو بلا شك واحد منهم.
على كل حال، أذكر أننا كنا قبل اقترابنا من هذا المشهد الرائع، والمهيب فى الوقت ذاته، كنا كعادتنا فى رحلاتنا الطويلة، وتلك كانت أطولها على الاطلاق، ننشغل بمناقشة ما كنا نشترك فى التعلق به وهو تخصصنا الأكاديمى المشترك. وقتها كان هنرى كيسنجر ملئ السمع والبصر، والعقل أيضا، وكان العالم ينتقل معه بهدوء من نظام القطبين إلى نظام هيمنة القطب الواحد وإن كنا لم نتوصل وقتها إلى اقترابنا من هذه النتيجة. خرج كيسنجر بأمريكا من حرب طال أمدها باتفاقية مع الفيتناميين وحقق نصرًا على الاتحاد السوفيتى بزيارة قام بها مع رتشارد نيكسون إلى بكين، زيارة هزت أرجاء الكون، وقبلهما كان خارجا لتوه من عملية دبلوماسية -عسكرية أوقف بها حربا بين إسرائيل ومصر وعملية استخباراتية أسقط بها حكومة سلفادور آييندى فى شيلى وأقام نظاما دكتاتوريا يقوده الجنرال بينوشيه. كنا فى واقع الحال هناك، وأقصد أننا كنا فى أمريكا اللاتينية، نراقب ونسأل ونناقش الآثار المحتملة لما حققته أمريكا من تغيرات جسيمة على العلاقات الدولية لكن بوجه خاص على سلوكيات شريحة مهمة تمثل دول العالم النامى.
ما أشبه الحادث اليوم بما حدث قبل حوالى نصف قرن. حدث ويحدث ترقب مصاب بالخوف فى معظم عواصم العالم النامى وبخاصة عواصم الشرق الأوسط، الخوف مما يمكن أن يحدث لها لو أنها لم تصطف فورا فى طابور انتظار ما يتقرر لها. كل الظروف حرجة والعالم، والعرب جزء فيه، متوجه بكل طاقته نحو نظام جديد مجهول الشكل والهوية.
• • •
وصلنا وأصرت زميلتى ورفيقة رحلتى الثالثة، أو لعلها الرابعة، إلى سنتياجو أن نقوم برحلة سياحية إلى أماكن زرتها وتعلقت بها خلال إقامتى القصيرة فى شيلى قبل هذه الرحلة بحوالى ربع قرن. لم أتردد فى الاستجابة وما كان لها أن تصر، إذ كانت بثقافتها الواسعة وذكائها المتوقد وتجاربها فى الحياة خير رفيق لرحلة نجوب فيها معا مواقع أخاذة ونستمع إلى نتف تاريخية يزودنا بها «شيوخ» قبائل منحدرة من شعب «المابوتشى» أو أساتذة جامعات وأصحاب مصارف ورجال ونساء دولة منحدرين بدورهم من مهاجرين أتوا من فلسطين إلى هذه البلاد، قبل أكثر من سبعة أو ثمانية عقود، نصف من عرفتهم جاء من رام الله والنصف الآخر من بيت جالا، وآخرين قدموا من ألمانيا وإسكتلندا وإسبانيا.
أذكر أن برنامج الرحلة، كما صغته أنا وأضافت زميلتى إليه، تضمن زيارة الشقة التى كان يسكنها بابلو نيرودا وكلانا كنا من المغرمين بشعره وتفاصيل حياته، لم ينقصنا سوى أن نجلس على مكتب له أو أريكة يطلان على المحيط من وراء شرفة فى منظر حقًا أخاذ، أو هكذا رأيته على كل حال.
هناك فى المشهد، اجتمعت نعومة «فينيا ديل مار» الضاحية مع جمال فالباريزو الميناء الكبير والصاخب. أذكر بمناسبة الحديث عن نعومة وجمال المشهد من شرفة نيرودا أنه قبل القيام بهذه الرحلة تلقينا دعوة من شركة مالكة لإحدى أكبر مزارع العنب، وتقع فى واد على الطريق الجبلى الموصل إلى فالباريزو وضواحيها.
لا زلت أذكر الصورة الكلية للمزرعة وما يحيط بها، قمم جليدية تطل بوقار وهيبة على مختلف الجهات المنبسطة والوديعة، وخضرة فى الوادى تمتد إلى نهاية قدرة البصر وفندق فاخر وبسيط فى آن واحدة وكرم ضيافة يتجاوز مقدرة الضيفين على الوصف والمديح.
عدنا إلى سنتياجو ليكتمل بثالثنا، الصديق عالم السياسة الأردنى، فريق البحث المكلف بدراسة ظروف المرحلة الانتقالية بين الدكتاتورية والديمقراطية فى ثلاث دول، هى: البرازيل والأرجنتين وشيلى. أشهد بأن زميلتنا لعبت دورًا لا يمكن إغفاله، وهى التى يحسب لها أنها أسست لمدرسة بحثية عربية تعمل فى فرنسا إلى يومنا هذا بكفاءة نادرة.
أنا مدين أيضًا لمعلمة اللغة الإسبانية بالكثير غير تعريفى بنواحى الجمال والإبداع فى هذه اللغة الراقية والناعمة، إذ كان لشرطها أن تعقد جلسات الدروس فى مقهى على قمة التل المتواضع الذى كنت أسكن بجواره فى العاصمة سنتياجو ليتوافر لكلينا الهدوء المطلوب للتركيز على التعليم والتعلم. كان له أيضًا الفضل فى إقامة العلاقة الطيبة بينى وبين التل، العلاقة التى جعلت هذا التل، رغم تواضعه، يحتل مكانة الإضافة المهمة إلى تراث ذكرياتى. أما الفضل الثالث لشرط التعلم من فوق قمة فكان فى أنه أوجد للمعلمة متسعًا من الأفق تستخدمه فى زيادة حصيلتى من مفردات اللغة الإسبانية. حدث بالفعل أن وجودى يوميًا ولبعض الوقت فوق هضبة هذا التل أن تعرفت بسرعة على جغرافية العاصمة والقمم المحيطة بها والنهر الذى قامت على ضفافه، تعرفت أيضا على موقع القصر الرئاسى وسط العاصمة والمعروف ببيت المال ومواقع الجامعة وأهم المصالح والسفارات وعلى الطرق الموصلة إليها.
• • •
عدت إلى سنتياجو فى آخر رحلاتى لأكتشف أن تغيرات كثيرة وقعت فى غيابى. وجدت شبان الجالية الفلسطينية مختلفين عن الجيل الأسبق فى نواحٍ متعددة. غابت اللغة العربية مع غياب أجيال أسست الجالية وأجيال رعتها. لم يغب التعلق بالوطن السليب، ولم تغب كلمة «البلاد» وإن منطوقة بعربية «متعبة» وإن صادقة وخفيفة الظل.
المدينة، وأقصد العاصمة، أصابها، خلال غيابى، التحديث الذى أصاب مدنا أخرى فى أمريكا الجنوبية، أستخدم متعمدا فعل «أصاب» لأعبر عن خيبة أملى، فالمدينة اتسعت وارتفعت على نحو غير ما أحب. حتى «التل المتواضع» صار قزمًا بين التلال والمبانى، أو تلّا يخجل من انكماش طوله فيزداد، لمن عرفه فى سابق أوانه، قصرا على قصره.
غابت أيضًا معلمتى، معلمة اللغة التى صعدت بى إلى قمة التل. لم يرد هاتفها فكان غيابها سببًا من أسباب خيبة أملى فى العاصمة كما تجددت أو تحدثت. لم أنسَ أنها، هى التى تقف وراء الكثير مما كنت أعرف عن العاصمة بل وعن شيلى. غاب أيضا معظم جيرانى، وبخاصة هؤلاء الذين وجدوا لى، وأنا الغريب عن المكان، بيتا للسكن وقضوا معى ومع أسرتى معظم أمسيات «المائة يوم الشهيرة فى حياتى»، مدة مهمتى الدبلوماسية فى شيلى.
غاب الكثير، ولم تغب قمم الأنديز المطلة فى وقارها وهيبتها، وحنانها، على سنتياجو، المدينة الوديعة.