القانون ضمانة التغير الاجتماعي

القانون ضمانة التغير الاجتماعي

القانون ضمانة التغير الاجتماعي

 العرب اليوم -

القانون ضمانة التغير الاجتماعي

آمال موسى

إن الاهتمام بدور التنشئة الاجتماعية في تحقيق التغير الاجتماعي في مجال العلاقة بين الجنسين ونبذ العنف في المجتمع واعتماد علاقة حوارية أفقية مع الطفل وغير ذلك من أبعاد العلاقات، لا شك في أنه اهتمام في محله ولا يختلف عليه اثنان باعتبار أن عملية التنشئة الاجتماعية ذاتها هي نقل لقيم ومضامين وأفكار تسهمُ في تحقيق التغير الاجتماعي المنشود.

ولكن من الخطأ إلقاء كل وزر عملية التغير الاجتماعي على التنشئة الاجتماعية والتقليل من شأن عوامل أخرى قادرة على إسناد التنشئة الاجتماعية وتقوية دورها وجعل محرك التغير يشتغل بشكل أسرع زمنياً.

من المهم لفت الانتباه إلى أن التغير الاجتماعي ليس سهلاً؛ فمنه: تغيير العقليات والذهنيات وإجراء تعديل أو محو وبناء في النسق القيمي الاجتماعي... كل هذا يتطلب زمناً طويلاً وجهوداً وممارسات وقصصاً أنموذجية وأحياناً تضحيات جسيمة.

لذلك فإن الذين يحاولون الاكتفاء بدور التنشئة الاجتماعية فقط في تغير العقليات وأنماط السلوك فإنهم يفوتون على مجتمعاتهم مسافات زمنية طويلة. كما أن الاستخفاف بتأثير العوامل الأخرى التي تساند التنشئة الاجتماعية في تحقيق التغير الاجتماعي ليس بالموقف الحكيم ولا بالمقاربة الاجتماعية المعمقة التي تحيط بالظواهر الاجتماعية من دون نكران لطابعها المركب والمعقد.

ضمن هذه الرؤية نفترض أن سن التشريعات عامل قوي في الدفع بعجلة التغير الاجتماعي بشكل لا يترك عملية التنشئة والمساواة وعدم التمييز ومنع العنف وحماية الطفولة لأمزجة النّاس وسماحتهم، بل إن القوانين والتشريعات هي الضمانة التي تؤمن الالتزام والضبط الاجتماعي.

ويمكن أن نستحضر مثالاً من التجربة التونسية في مجال سن التشريعات الخاصة بالأسرة، حيث إن منع تعدد الزوجات في مجلة «الأحوال الشخصية» الصادرة في 13 أغسطس (آب) 1956 بعد ستة أشهر فقط من حصول تونس على الاستقلال، مثل المحرك الرئيسي الذي أسهم في تغيير الممارسات في حين أنه لو ترك الأمر للتنشئة الاجتماعية فقط لوجدنا أنفسنا اليوم في الخطوات الأولى من طريق التغير الاجتماعي الطويلة بطبيعتها. بل إنه إلى اليوم ما زال المجتمع التونسي يُفاجأ من حين إلى آخر بدعوات إلى التعدد وبزلات لسان، وأحياناً بحدوث حالات معزولة من الزواج العرفي، الأمر الذي يؤكد أن التشريعات وحدها هي الحامية بقوة القانون الذي مع الوقت يسهم في تغذية عملية التغير الاجتماعي وجعل التنشئة أكثر عفوية وقبولاً.

فالتشريع ملزم بطبيعته، وهو الذي يُشكل الواقع ويُعيد صياغة موازين القوى الاجتماعية. وفي هذا الصدد نشير إلى أنه لولا إبرام الدول اتفاقيات المساواة في الأجر بين الرجال والنساء لوجدنا أنفسنا في بيئة عمل مملوءة بالتناقضات ولكان عمل النساء متروكاً لمدى إيمان أرباب المؤسسات بالمساواة وبتكافؤ الفرص بين الجنسين، وهذا ضد طبيعة المجتمعات، حيث إنه لا تنظيم ولا بناء خارج إطار التشريعات والقوانين. وكلما كانت عملية التنشئة الاجتماعية معززة بالتشريعات ضَمِنَ المسار الإيجابي والتراكم الخلاق اجتماعياً. ذلك أن الطفل الذي يتربى على المساواة ونبذ العنف والقيم الاجتماعية الراقية من المهم أن يجد كل هذه القيم محمية بالقوانين بشكل عام.

إننا ندافع عن فكرة عدم الاستخفاف بالتشريعات والتشجيع على سنّها حتى لو كانت غريبة عن المجتمع والعقلية المهيمنة فيه. ذلك أن التشريعات ستقوم بدور الأشرعة التي ترفع من قدرة المركب على مواجهة الريح.

ولا يفوتنا الإشارة إلى أنه رغم التشريعات فإن الانحرافات موجودة فما بالنا لو غابت التشريعات؟

وها هي ظاهرة العنف المنبوذة من الأديان والقوانين بقيت متجذرة في الممارسات الاجتماعية - مع تفاوت بين المجتمعات طبعاً - وإلى اليوم نرى المجتمعات وفي مقدمتها الحركات النسوية مثلاً تناضل من أجل منع ظاهرة العنف ضد المرأة بجميع أشكاله، رغم أن تلك العقليات بدأت تتغير، وفكر المساواة قطع شوطاً وتقلدت النساء أعلى المناصب وتفوقت في العمل والدراسة. فحتى التشريعات تحتاج إلى زمن كي تستقر في العقل الاجتماعي ويُحسب لها الحساب اللازم. من ذلك مثلاً أن كل الدول تقريباً وقعت على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تمنع عمالة الأطفال، ولكن الواقع يعكس تجاوزات شتى تؤكد أن التغيُّر الاجتماعي وتغيير العقليات وأنماط السلوك إنما هي معركة شرسة تستدعي أسلحة متعددة ونفساً طويلاً ومداخل عدة من أجل التقدم في سيرورة التغيير الاجتماعي حيث التشريعات والتنشئة الاجتماعية والتربية والثقافة، وكل حقل اجتماعي يدلي بدلوه من أجل محو فكرة ورسم أخرى في مكانها.

لذلك، من المهم أن نُهلل لكل تشريع اجتماعي جديد... ولا بد من أن يفعل فعله اليوم أو غداً.

arabstoday

GMT 12:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

قصَّر في الأعمار طول السهر

GMT 11:25 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

حتى لا يكونَ العراق جمهوريةَ موزٍ إيرانية

GMT 11:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

استعادة الكلام في الدين والعلمانية والسلام

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 11:19 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 11:16 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق ما بعد الأميركيين... اختبار الدولة والسلاح

GMT 03:10 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق والاستقلال المنقوص

GMT 03:09 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

منى زكي في وش المدفع!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القانون ضمانة التغير الاجتماعي القانون ضمانة التغير الاجتماعي



نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ العرب اليوم

GMT 17:56 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

ترامب يقول إن واشنطن لا تعرف مع من تتفاوض في إيران
 العرب اليوم - ترامب يقول إن واشنطن لا تعرف مع من تتفاوض في إيران

GMT 11:08 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية
 العرب اليوم - علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية

GMT 06:35 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

البيرو تسجيل 700 هزة أرضية منذ بداية سنة 2026

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 08:03 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

غارات جوية روسية تستهدف جسرًا في العاصمة الأوكرانية كييف

GMT 05:47 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

إنفانتينو يخسر دعم بلده سويسرا في حملته لرئاسة الفيفا

GMT 15:00 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بزشكيان يؤكد استعداد إيران للحوار مع واشنطن رغم الخلافات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab